دماغ الأم يُعاد تشكيله جذريًا في أثناء الحمل!

16 يونيو 2026
10 مشاهدة
0 اعجاب

دماغ الأم يُعاد تشكيله جذريًا في أثناء الحمل!



حتى سبعينيات القرن الماضي تقريبًا، كان الاعتقاد السائد أن الدماغ البشري مبرمجًا مسبقًا كالحاسوب، وأن شبكاته العصبية تبقى ثابتة طوال مرحلة البلوغ.


لكن الواقع مختلف تمامًا. فهذا العضو المذهل قادر على إعادة تشكيل نفسه مرارًا وتكرارًا. يبدو أن الدماغ البشري يمر بتحولات كبرى، والأمومة واحدة منها.


عام 2024، قدم علماء أعصاب في الولايات المتحدة أول خريطة تفصيلية لدماغ امرأة واحدة عبر مراحل الحمل كاملة. إذ وافقت المشاركة في الدراسة على الخضوع لفحوصات دماغية قبل الحمل وفي أثنائه وبعد الولادة.


ومع اقتراب موعد الولادة، لاحظ الباحثون أن أجزاءً من دماغها بدأت تتقلص في الحجم. وكان هذا التحول مختلفًا عن أي شيء شاهده العلماء سابقًا.


هذه النتائج دفعت إلى إطلاق مشروع الدماغ الأمومي (MBP)، وهو مبادرة بحثية تهدف إلى فهم كيفية تغير الدماغ خلال الأمومة، وهو مجال طالما عانى الإهمال العلمي.


بحسب عالمة الأعصاب إيميلي جاكوبس، التي تقود المشروع في جامعة كاليفورنيا سانتا باربرا، فإن 0.5% فقط من دراسات تصوير الدماغ منذ عام 1990 ركزت على صحة النساء.


تعمل جاكوبس وفريقها حاليًا على توسيع المشروع عالميًا، ليشمل مؤسسات إضافية في الولايات المتحدة، إلى جانب مركز بحثي في إسبانيا.


منذ عام 2024، كشفت صور دماغية لعدة أمهات أخريات عن النمط نفسه من الانخفاض الواسع في حجم الدماغ.


يبدو أن الحمل يُحدث تغيرات في الجهاز الوعائي الدماغي، بما يشمل طريقة تدفق السائل الدماغي الشوكي. قالت جاكوبس: «تقريبًا كل منطقة في الدماغ تتغير بصورة ملحوظة خلال الحمل».


«نعلم أن الجهاز القلبي الوعائي يمر بتحولات عميقة خلال الحمل لاستيعاب نمو الجنين، وتظهر بياناتنا أن الجهاز الوعائي الدماغي يخضع بدوره لتكيفات لافتة».


مع أن النتائج لم تنشر بعد في مجلة علمية محكمة، تقول جاكوبس إن 97% من أصل 400 منطقة دماغية درسها الفريق أظهرت تغيرات في أثناء الحمل وبعد الولادة.


مع أن فقدان الحجم الكلي للدماغ يبدو أمرًا سلبيًا، فإن هذه التغيرات الواسعة على الأرجح تعكس إعادة تنظيم الدماغ لنفسه بطريقة تجعله أكفأ للتعامل مع متطلبات الأمومة.


الدماغ، رغم مرونته العالية، يملك قدرًا محدودًا من النسيج العصبي للتكيف مع التحولات الكبرى في الحياة، مثل البلوغ أو الحمل أو انقطاع الطمث.


قالت جاكوبس: «هذا المشروع، وغيره من المشاريع المشابهة، يعيد تشكيل الطريقة التي نفكر ونتحدث بها عن التحول إلى الأمومة، ويدحض الصورة النمطية القديمة عن دماغ الأم بوصفه أقل كفاءة، ليظهر بدلًا من ذلك أن الدماغ الأمومي يمتلك قدرة مستمرة على التكيف والمرونة العصبية».


تقود طالبة الدكتوراه هانا غروتزينغر جهود جمع البيانات المستمرة ضمن المشروع. تضم الدراسة حاليًا 20 مشاركة في الولايات المتحدة، بينهن أمهات يخضن تجربة الأمومة للمرة الأولى، وأخريات للمرة الثانية، إلى جانب مجموعتين للمقارنة: آباء ونساء غير حوامل.


تابع الباحثون المشاركين بانتظام على مدار 18 شهرًا باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي، وتحاليل الدم، واستبيانات حول النوم والمزاج والصحة العامة.


حتى الآن، أجرى الفريق أكثر من 150 فحصًا دماغيًا، ولاحظ الباحثون لدى الأمهات للمرة الأولى تغيرات بنيوية متشابهة إلى حد بعيد. إذ يبدو أن الحجم الكلي للدماغ يتراجع تدريجيًا خلال الحمل، قبل أن يُظهر علامات على العودة جزئيًا إلى مستواه الأساسي بعد الولادة.


«نلاحظ أنماطًا متشابهة على نطاق واسع من إعادة التشكل البنيوي في مختلف أنحاء الدماغ».


«ينخفض الحجم الكلي للدماغ، وحجم المادة الرمادية، وسماكة القشرة الدماغية بصورة ملحوظة خلال الحمل، ثم تتعافى جزئيًا بعد الولادة، في حين يسلك السائل الدماغي الشوكي الاتجاه المعاكس».


اللافت أن هذه التغيرات تظهر في المناطق نفسها التي رصدت لدى أول مشاركة في الدراسة، وتشمل الفصوص الصدغية العلوية، والمناطق الوسطية، والقشرة الجبهية الأمامية، والبنى تحت القشرية.


أما الخطوة التالية، فهي توسيع الدراسة لتشمل مجموعة أكبر وأكثر تنوعًا من الأمهات، بهدف معرفة ما إذا كانت عوامل مثل علاجات الخصوبة، أو مضاعفات الحمل، أو الرضاعة الطبيعية تؤثر في كيفية إعادة تشكيل الدماغ في أثناء الحمل وبعد الولادة.


يطمح المشروع إلى إنشاء أكبر قاعدة بيانات مفتوحة ومتخصصة في الدماغ الأمومي على مستوى العالم. ما قد يساعد الباحثين لاحقًا في الإجابة عن أسئلة مهمة، مثل: كيف تؤثر إعادة تشكيل دماغ الأم في القدرات الإدراكية؟ وهل يمكن اكتشاف مؤشرات بيولوجية مبكرة لاكتئاب ما بعد الولادة؟ وما التأثيرات طويلة الأمد لمضاعفات الحمل، مثل تسمم الحمل أو سكري الحمل، على صحة الدماغ؟


سيتولى علماء الأعصاب في جامعة كاليفورنيا سانتا باربرا قيادة المشروع بالتعاون مع باحثين من جامعة بنسلفانيا، ومعهد الأبحاث الإسباني.


عام 2023، كتبت جونز مقالًا سلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين الجنسين في أبحاث صحة الدماغ. قالت فيه: «التمثيل ليس المشكلة. فنحو 50% من المشاركين في دراسات تصوير الدماغ هم من النساء».


«لكن الباحثين ببساطة لا يختارون دراسة العوامل الصحية الخاصة بالنساء، والجهات الممولة لا تستثمر في هذا النوع من الأبحاث». يبدو أن المشروع العالمي للدماغ الأمومي يسعى لتغيير هذا الواقع.


 



المصادر:


الكاتب

أريج حسن اسماعيل

أريج حسن اسماعيل
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة