رصد تصادم كويكبات قرب نجم مجاور يبعد 25 سنة ضوئية عن الأرض
رُصد تصادم كويكبين للمرة الثانية فقط في التاريخ، وذلك بالقرب من نجم خارجي لا يبعد كثيرًا عن حدود النظام الشمسي. هذا النجم يُعرف باسم فومالهوت، وهو جرم كوني حديث الولادة يصل عمره إلى 440 مليون سنة فقط، ولا يزال يحيط به قرص من الغبار المتبقي من عملية تشكله.
يُعد فومالهوت، الذي يبعد عنا خمسة وعشرين سنة ضوئية فقط، بمثابة معمل ممتاز لدراسة مختلف العمليات التي تسبق تشكُل الكواكب. فقد كشف تلسكوب هابل الفضائي عن رصد قام به من المحتمل أن يكون لواحدة من هذه العمليات: قطعتان صخريتان يُقدر قطر كل واحدة منهما بستين كيلومترًا، إن لم تصطدم إحداهما بالأخرى وصارتا حطامًا، فمن الوارد جدًا أن تتحول هاتان القطعتان الصغيرتان إلى كوكبين يدوران في فلك النجم فومالهوت.
يقول بول كالاس عالم الفلك من جامعة كاليفورنيا في بركلي: «إنها بالتأكيد المرة الأولى التي أرى فيها نقطةً مضيئةً تظهر بصورة فجائية في نظام آخر غير النظام الشمسي. لم تظهر هذه النقطة المضيئة في أي واحدة من الصور السابقة التي التقطها تلسكوب هابل، ما يعني أننا قد شهدنا للتو تصادمًا عنيفًا بين جسمين ضخمي الكتلة، أدى إلى تكون سحابة هائلة من الغبار، وهو أمر مغاير عن أي شيء شهدناه في نظامنا الشمسي».
هذا ليس الحدث الأول الذي يُرصد في فلك النجم فومالهوت، فإذا ما عدنا إلى عام 2004، نجد أن علماء الفلك قد اكتشفوا كوكبًا شديد السطوع يدور حوله، وهو ما أكدته عمليات الرصد اللاحقة التي أُجريت سنة 2012، التي تضمنت التقاط صور مباشرة للكوكب، حتى أنه قد خُصص اسم جديد لهذا الكوكب العملاق الغازي المزعوم، (فومالهوت ب)، وأصبح يُعرف باسمه الجديد (داجون).
غير أنه عندما أُجريت عمليات استطلاع جديدة سنة 2014، لم يوجد أي أثر لداجون الذي اختفى كليًا. وعليه، خلص علماء الفلك إلى أن التفسير الأفضل لاختفاء الكوكب يكمن في أنه لم يكن كوكبًا في الأصل، بل مجرد سحابة غبار ساطعة في طور التوسع، نتجت عن تصادم عنيف بين كويكبين صغيرين.
عام 2023، وجه تلسكوب هابل نظره مرة أخرى نحو فومالهوت، من أجل أن يتحرى إذا ما عاد النجم الغريب إلى تقديم المزيد من العروض الشيقة. كانت العروض في أوجها بالفعل، فقد التقط هابل مجددًا ظهور بقعة ضوئية صغيرة بالقرب من النجم، تبدو مماثلة لداجون بصورة مريبة.
يقول جايسون وانج، عالم فلك من جامعة نورث وسترن: «كنا نهدف في الأصل من خلال عمليات الاستطلاع هذه إلى مراقبة (فومالهوت ب)، الذي ظننا في الأول أنه كوكب. لقد افترضنا أن البقعة الضوئية الساطعة هي (فومالهوت ب)، وهذا يرجع إلى أنه الجسم الوحيد المعروف في ذلك النظام الذي يمكنه أن يكون مصدرًا للضوء المرصود. لكن عندما قارنا بعناية الصور القديمة بالجديدة، وجدنا أنه يمكن للبقعة الضوئية أن تأتي من مصدر آخر، وقد كان هذا الأمر محمسًا ومحيرًا لنا في الآن نفسه».
أطلق كالاس وزملائه على البقعة الضوئية الجديدة اسم (Fomalhaut cs2) الذي يعني حرفيا المصدر الضوئي رقم 2 الذي يوجد في محيط النجم فومالهوت، في حين تراجعت مرتبة داجون من كوكب إلى (Fomalhaut cs1)، أي المصدر الضوئي رقم 1 في محيط فومالهوت.
يقدم كالاس تفسيرًا لهذا الاكتشاف: «يبدو (Fomalhaut cs2) كأنه كوكب خارج المجموعة الشمسية يعكس الضوء الذي يصله من النجم. إن ما تعلمناه من دراسة (Fomalhaut cs1) هو أنه يمكن لسحابة ضخمة من الغبار أن تتخذ شكل كوكب لأعوام عدة، وهذه ملاحظة تحذيرية للمهمات المستقبلية التي تهدف إلى رصد الكواكب الخارجة عن المجموعة الشمسية من خلال الضوء المنعكس».
رجح الباحثون، بالاستناد إلى الاستطلاعات التي قام بها تلسكوب هابل، إضافةً إلى عمليات الرصد السابقة التي راقبت التحولات التي خاضها (Fomalhaut cs1)، أن السحابتين تكونتا إثر تصادم بين أجسام صغيرة متقاربة في الحجم. كلا التصادمين قد وقعا، على نحو مثير للاهتمام، في مكان مماثل على أطراف قرص فومالهوت.
يقول كالاس: «تشير النظرية السابقة إلى أنه يجب أن يحدث تصادم واحد كل مئة ألف سنة، أو حتى أكثر من ذلك. لكننا شهدنا هنا اثنين من التصادمات في غضون عشرين عامًا. إذا كان لديك شريط سينمائي يمثل الألفيات الثلاث الأخيرة، وقمت بتسريعه حتى يكون كل جزء من الثانية بمثابة سنة، فتخيل كمية الومضات التي ستراها خلال هذه المدة. إن النظام الكوكبي التابع للنجم فومالهوت سيكون متلألئًا بسبب هذه الاصطدامات».
يمكن أن نستنتج من تصادم واحد، أي نقطة بيانية وحيدة، أن هذا الحدث هو أمر يمكن أن يقع إذا ما توفرت مجموعة من الشروط الخاصة هي التي وقع فيها ذلك الحدث، لكن يفتح رصد تصادم ثان آفاقًا جديدة، فهذا التصادم من شأنه أن يزودنا هذه المرة بإحصائيات.
يقول مارك وايت عالم الفلك من جامعة كامبردج بالمملكة المتحدة: «إن الجانب المثير من هذا الاكتشاف أنه يُخول للباحثين تقدير حجم الأجسام التي اصطدمت ببعضها، إضافةً إلى عددها. وهي معلومة يكاد يكون من المستحيل الحصول عليها بأي وسيلة من الوسائل الأخرى. تشير تقديراتنا إلى أن الكويكبات التي اصطدمت ببعضها وشكلت cs1 و cs2 يبلغ قطرها ستين كيلومترًا فقط، نُخمن أيضا أن هناك ثلاثمئة مليون من هذه الأجسام تدور في فلك نجم فومالهوت».
إن محيط نجم فومالهوت هو بالتأكيد مكان مثير للاهتمام، إذ إن عمليات الرصد الأخيرة قد أظهرت أن القرص المحيط بالنجم يحتوي على فجوات مُتراكزة، أي تشترك في نفس المركز، وهذه علامة على وجود شيء معين يزيل الغبار، ربما كوكب في طور التشكل يزيح الغبار الذي في مساره في أثناء دورانه حول النجم. لكن لم يرصد أي من الكواكب بعد.
أظهرت عمليات الرصد التي قام بها تلسكوب جيمس ويب الفضائي سنة 2023 في نفس الأثناء، كتلةً كبيرةً من الغبار في نفس الحلقة الخارجية في قرص فومالهوت التي رُصد فيها كل من cs1 و cs2. وقد أرجعها علماء الفلك في ذلك الوقت إلى تصادم آخر، مع أن هذا التفسير لا يزال يحتاج إلى التأكيد.
مع أن فومالهوت يطرح العديد من الإشكالات التي لا يزال علينا إيجاد أجوبة لها، فإن الصورة التي تشكلت عنه توحي بفضاء ديناميكي قد يكون مؤشرًا على المراحل المبكرة من تكون الكواكب. يقول وايت: «هذا النظام هو بمثابة معمل طبيعي يمكّن اكتشاف سلوك الكويكبات في أثناء تعرضها للتصادمات، الشيء الذي يدلنا بدوره على مكونات هذه الكويكبات وكيفية تشكلها».
ينوي الباحثون الاستمرار في استخدام كل من تلسكوب هابل وتلسكوب جيمس ويب الفضائي لمراقبة cs2، من أجل استكشاف كيف سيتطور في السنوات القادمة، يقول كالاس: «سنتتبع cs2 من أجل رصد أي تغير في شكله أو شدة سطوعه أو مداره حول فومالهوت. من المحتمل أن يصير cs2 ذا شكل بيضاوي أكثر أو أن يأخذ شكل المذنبات، وذلك بسبب اندفاع جزيئات الغبار نحو الخارج بفعل الضغط الذي يُطبقه ضوء النجم».