رصد مباشر لتفاعل نووي تقوده نيوترينوهات شمسية منخفضة الطاقة!

28 فبراير 2026
16 مشاهدة
0 اعجاب

رصد مباشر لتفاعل نووي تقوده نيوترينوهات شمسية منخفضة الطاقة!


 

رصد العلماء أخيرًا، على بعد آلاف الأمتار تحت سطح الأرض، في أعماق القشرة الأرضية، نيوترينوهات شمسية في تفاعل تحويل الكربون 13 إلى النيتروجين 13.


إنها المرة الأولى التي يُرصد فيها هذا التفاعل النووي النادر الذي يتوسطه جسيم نيوترينو. يبين هذا الاكتشاف كيف أن بعضًا من أكثر الجسيمات مراوغةً واستعصاءً على الرصد في الكون، تستطيع أن تُعيد تشكيل المادة بكل هدوء في الأعماق المظلمة تحت سطح الأرض.


تقول عالمة الفيزياء كريستين كراوس التي تعمل بمرصد سنولاب بكندا، وهو منشأة مصممة لرصد النيوترينوهات حيث تم الاكتشاف: «تعتمد عملية الرصد التي قمنا بها على الوفرة الطبيعية لأحد نظائر الكربون (الكربون 13) داخل السائل الوماض الذي جرت فيه التجربة، وذلك من أجل تتبع هذا التفاعل الدقيق والنادر».


«على حد علمنا، تمثل النتائج التي حصلنا عليها أدنى طاقة رُصدت للتفاعلات بين النيوترينوهات ونوى الكربون 13 حتى اليوم. وهي تعطي أول قياس مباشر للمقطع العرضي ـ وهو مقياس لاحتمال حدوث التفاعل- الخاص بهذا التفاعل النووي الذي تنتج عنه نواة نيتروجين 13 في حالتها الأساسية».


تُعد النيوترينوهات من أكثر الجسيمات وفرةً في أرجاء هذا الكون الواسع، فهي تتشكل في ظروف طاقية معينة من قبيل انفجارات النجوم المستعرة (السوبرنوفا) أو تفاعلات الاندماج النووي التي تحدث داخل النجوم، الشيء الذي يجعل منها موجودة تقريبًا في كل مكان.


تظل بالمقابل عملية رصد هذه الجسيمات غايةً في الصعوبة، وذلك على الرغم من الوفرة التي تتميز بها، فمن جهة هي جسيمات غير مشحونة كهربائيًا، ومن جهة أخرى لها كتلة شبه منعدمة، وهي نادرًا ما تتفاعل مع الجسيمات الأخرى. إن ملايير النيوترينوهات تتخلل جسدك في هذه اللحظة فقط، عابرةً من خلالك وكأنها أشباح، وهذا هو السبب بالمناسبة وراء إطلاق اسم الجسيم الشبح على النيوترينو.


إلا أنه بين الفينة والأخرى، يدخل جسيم نيوترينو بالفعل في اصطدام مع جسيم آخر، وهو تفاعل ينتج توهجًا شاحبًا متناهي الصغر، إضافةً إلى وابل من الجسيمات الأخرى. لكن رصد هذه التفاعلات على سطح الأرض حيث توجد بكثرة الإشعاعات الكونية وأشعة الخلفية، أمر صعب جدًا، إذ تشكل الإشعاعات المختلفة مصدر تشويش على الإشارات الملتقطة من تفاعلات النيوترينوهات. لهذا فإن أفضل المراصد لهذه الجسيمات هي تلك المبنية تحت سطح الأرض، مستغلةً بذلك أمتارًا من القشرة الأرضية بمثابة درع واق من الإشعاعات.

إن هذه المراصد هي غرف ضخمة، تصطف في جنباتها مئات من المستشعرات الضوئية، وتمتلئ بسوائل وماضة من شأنها أن تضخم الإشارات الخافتة التي تنتج عن تفاعلات النيوترينوهات النادرة، التي تتوهج في تلك الظلمة القاتمة الصامتة.

تتدفق النيوترينوهات التي تشكلت في قلب الشمس، المعروفة بالنيوترينوهات الشمسية، باستمرار نحو الأرض وعبرها، وتتميز بقيم محددة للطاقة تجعل تمييزها بيّنًا عن النيوترينوهات الأتموسفيرية، أي التي تشكلت في الغلاف الجوي للأرض، وأيضًا عن النيوترينوهات الفلكية التي تأتي من الفضاء البعيد، فهذه الأنواع من النيوترينوهات هي أكثر طاقة وأقل شيوعًا. تقع جُل الإشارات المُلتقطة داخل مرصد سنولاب الكائن في عمق كيلومترين تحت سطح الأرض، داخل المدى الطاقي الذي تتميز به النيوترينوهات الشمسية.


عالج الفريق البيانات التي جمعتها تجربة SNO+ بين مايو 2022 ويونيو 2023، باحثين عن إشارة معينة من شأنها أن تدل على تفاعل جسيم نيوترينو مع نظير الكربون 13 داخل السائل الوماض.


يمكن شرح تفاعل النيوترينو مع الكربون 13 كما يلي: عندما يصطدم نيوترينو إلكتروني، أحد الأنواع الثلاثة للنيوترينوهات، بنواة نظير الكربون 13، فإن هذا التفاعل ينتج عنه في المرحلة الأولى إلكترون، وهو جسيم ذو شحنة كهربائية سالبة، بينما تمتص نواة الكربون جسيم النيوترينو. يوجد داخل نواة الكربون ثلاثة عشر جسيمًا: ستة من البروتونات موجبة الشحنة الكهربائية، وسبعة من النيوترونات المحايدة كهربائيًا. تحول القوة الضعيفة التي يحفزها النيوترينو أحد النيوترونات السبعة إلى بروتون، وهو تفاعل نووي ينبعث فيه إلكترون.


لا يمكن اعتبار العنصر الناتج بعد التفاعل عنصر كربون، فبعد ارتفاع عدد بروتونات نواة الكربون من ستة إلى سبعة، يكون الناتج هو نواة نيتروجين 13، إذ هو النظير الذي يضم سبعة بروتونات وستة نيوترونات. هذا النظير الناتج غير المستقر يتفتت في المرحلة الثانية بعد عشرة دقائق فقط من تكونه، ويترك وراءه بوزيترون -الجسيم المضاد للإلكترون- بوصفه أحد نواتج تفاعل التحلل الإشعاعي الذي حدث.


يُترجم هذا التفاعل تجريبيًا من بدايته إلى نهايته بانبعاث إشارة ضوئية تحدث على مرحلتين، وهي إشارة مميزة لهذا التفاعل، تُعرف بالتزامن المؤخر. وعليه، فإن الباحثين من أجل رصد هذا التفاعل، يحاولون العثور على إلكترون متبوع ببوزيترون بعد نحو عشر دقائق، الأمر الذي يُعد بمثابة بصمة النيوترينو في عملية تحويله نظير الكربون 13 إلى النيتروجين 13.


استطاع الباحثون تحديد ستين إشارة محتملة لهذا التفاعل في البيانات المجمعة على مدار 231 يومًا من الرصد. وقُدرت هذه الإشارات المحتملة باستخدام نموذج إحصائي في 5.6 تحولات كربون-نيتروجين سببها نيوترينو، وهي قيمة قريبة جدًا للقيمة التي توقعها الفريق البحثي، أي 4.7 تحولًا.


تقول ميلتون: «إن رصد هذا التفاعل هو إنجاز استثنائي، فمع ندرة نظير الكربون 13، كنا قادرين على رصد تفاعله مع جسيمات النيوترينو التي تشكلت في نواة الشمس وقطعت مسافات كبيرة لكي تصل إلى مرصدنا».


النتائج بالفعل مثيرة للاهتمام، فهي تمكن من تأكيد التنبؤات النظرية، وهذا أمر دائمًا ما يكون مُرضيًا، إذ يدل على أن العلم يسير في الطريق الصحيح. إضافةً إلى أنها تعطي قياسًا جديدًا لاحتمال حدوث هذا التفاعل ذي الطاقة المنخفضة بين نواة الكربون والنيوترينو، الشيء الذي يؤسس لعلامة مرجعية جديدة للفيزياء النووية، ستكون حتمًا ذات نفع كبير في الدراسات المستقبلية.


«لقد شكلت النيوترينوهات الشمسية في حد ذاتها موضوعًا خصبًا للدراسة لعدة سنوات، وأدت القياسات عن هذه النيوترينوهات التي تمت في التجربة السالفة SNO بمرصد سنولاب إلى جائزة نوبل في الفيزياء عام 2015»، طبقًا لعالم الفيزياء ستيفن بيلر من جامعة أوكسفورد.


«إنه لشيء رائع كون فهمنا عن النيوترينوهات الشمسية قد تقدم بشكل كبير لدرجة أنه صار بإمكاننا اليوم أن نستعملها للمرة الأولى على الإطلاق، بمثابة علامة من أجل دراسة أنواع أخرى من التفاعلات الذرية النادرة».

 



المصادر:


الكاتب

فاطمة الزهراء حيرا

فاطمة الزهراء حيرا
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
ترجمة

فاطمة الزهراء حيرا

فاطمة الزهراء حيرا



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة