سقوط نجم محتضر يكشف كيف يلتف الزمكان حول الثقب الأسود

15 يناير 2026
18 مشاهدة
0 اعجاب

سقوط نجم محتضر يكشف كيف يلتف الزمكان حول الثقب الأسود


 

         قدم إنهيار نجمي عنيف سُجل عام 2024 لعلماء الفلك أوضح دليل حتى الآن على وجود ثقب أسود يلوي نسيج الزمكان حوله. يُعرف هذا التأثير باسم «سحب الإطار المرجعي» أو «تأثير لينس-ثيرينغ». إن رصده في قلب مجرة ​​تُسمى (LEDA 145386) على بُعد 400 مليون سنة ضوئية من الأرض، قد أتاح لعلماء الفلك فرصةً لمشاهدة تجلي نظرية النسبية العامة في الوقت الحقيقي.


         يقول عالم الفيزياء الفلكية كوزيمو إنسيرا من جامعة كارديف في المملكة المتحدة: «هذه هدية قيمة لعلماء الفيزياء، إذ نؤكد تنبؤات وُضعت قبل أكثر من قرن. ليس هذا فحسب، بل تُخبرنا هذه الملاحظات أيضًا المزيد عن طبيعة تأثير لينس-ثيرينغ، عندما يتمزق نجم بفعل قوى الجاذبية الهائلة التي يُمارسها ثقب أسود».


         يُعد «سحب الإطار المرجعي» أحد تنبؤات النسبية العامة ومن السهل تصوره. تخيل وضع ملعقة في العسل وتدويرها. يدور العسل مع الملعقة، ويكون التأثير أقوى ما يكون بالقرب من الملعقة، ويضعف كلما ابتعدنا عنها.


         أي جسم له كتلة يُسبب انحناءً جاذبيًا في الزمكان. عندما تدور هذه الكتلة، ينحني الزمكان بانحناء مماثل، وقد رُصدت ظاهرة سحب الإطار المرجعي عدة مرات سابقًا، متضمنةً تأثيرها في الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض.


         يكون هذا التأثير طفيفًا بالقرب من الأرض، حيث يصبح سحب الإطار المرجعي أوضح حول الأجسام التي تفوق كتلتها كتلة الشمس بملايين المرات، مثل الثقوب السوداء فائقة الكتلة، ما يجعل هذه البيئات مختبرات مثالية لدراسة كيفية عمل هذه الظاهرة.


         يكمن العيب في أن الثقوب السوداء فائقة الكتلة عادةً ما تكون بعيدة جدًا بحيث يتعذر دراسة أنشطتها الدقيقة بالتفصيل. هذا يعني أننا غالبًا ما نضطر إلى انتظار حدث كارثي، مثل تدمير نجم، لقياس أي سلوكيات مراوغة. هذا هو الحال مع الثقب الأسود في قلب مجرة (​​LEDA 145386)، الذي تبلغ كتلته نحو 5 ملايين ضعف كتلة الشمس.


         رصد مرصد زويكي للظواهر العابرة في يناير 2024 سطوعًا حادًا لجسم، بطريقة رجح العلماء أنها تتوافق مع حدث تمزق مَدّي، وهو «صرخة ضوئية» تنبعث عندما يتمزق نجم عابر بفعل جاذبية الثقب الأسود الهائلة. هذه الظواهر معروفة، لكنها نادرة ومثيرة للاهتمام للغاية، لذلك وبطبيعة الحال واصل علماء الفلك مراقبتها.


         يوضح عالم الفلك سانتياغو ديل بالاسيو من جامعة تشالمرز في السويد: «عندما يمر نجم بالقرب من ثقب أسود فائق الكتلة، تعمل جاذبية الثقب الأسود الهائلة على تمديده، وفي النهاية تمزقه، فتبدأ مادة النجم بالتساقط عليه. يصبح هذا الحدث شديد السطوع، وعندما اكتُشف حدث جديد بواسطة تلسكوب بصري، دفعنا ذلك إلى البدء برصد الثقب الأسود بأطوال موجية مختلفة بأسرع ما يمكن».


         ظهر نمط غريب بمرور الوقت، فكل 19.6 يومًا، تفاوتت شدة الأشعة السينية المنبعثة من الثقب الأسود بأكثر من رتبة واحدة. تذبذبت الانبعاثات الراديوية من الجسم أيضًا في الوقت نفسه، بتفاوت يتجاوز أربعة رتب. من اللافت للنظر أن هذه التذبذبات في الأشعة السينية والراديو كانت متزامنة.


         يُعرف ابتلاع الثقب الأسود لنجم بحدث التمزق المدّي، لأن النجم يتمزق بفعل قوى المد والجزر للثقب الأسود، أي جاذبيته. عندما يحدث هذا، لا يختفي النجم فورًا خلف أفق حدث الثقب الأسود، بل تتناثر أجزاؤه الداخلية الممزقة لتشكل قرصًا يدور حول الثقب الأسود، ويسقط تدريجيًا نحو أفق الحدث.


         لا تسقط كل مادة النجم. يعتقد علماء الفلك أن بعض المادة تتسارع على طول خطوط المجال المغناطيسي نحو قطبي الثقب الأسود، حيث تُقذف إلى الفضاء بقوة هائلة، مُولدةً نفاثات هائلة من المادة بسرعات تقارب سرعة الضوء.


         يُصدر قرص التراكم المحيط بالثقب الأسود أشعة سينية، وفي الوقت نفسه يُنتج تسارع السنكروترون للنفث ضوءًا راديويًا. تشير التقلبات المتزامنة في كليهما إلى أن البنية بأكملها تتذبذب مثل دولاب دوار، وهو تأثير سحب الإطار المرجعي.


         يقول يانان وانغ، المؤلف المشارك الأول من الأكاديمية الصينية للعلوم: «يشير هذا التباين المتزامن شبه الدوري ذو السعة العالية، المتعدد النطاقات، إلى وجود اقتران قوي بين قرص التراكم والنفث، الذي يدور حول محور دوران الثقب الأسود مثل جيروسكوب».


         أعطت نماذج قرص ونفث متذبذبين معًا نتائج مماثلة، مؤكدةً أن أجسامًا مثل الثقب الأسود الجامح في (LEDA 145386) قد تُوفر مختبرًا ليس فقط لدراسة عمليات التراكم وتكوين النفث، بل أيضًا لاختبار النسبية العامة نفسها.


         يقول إنسيرا: «بدأنا نفهم آلية هذه العملية، بإثبات قدرة الثقب الأسود على سحب الزمكان وإحداث هذا التأثير. يُولد الجسم المشحون مجالًا مغناطيسيًا عند دورانه، نرى كيف يُولد جسم ضخم دوار -في هذه الحالة ثقب أسود- مجالًا جاذبيًا مغناطيسيًا يؤثر في حركة النجوم والأجرام الكونية الأخرى القريبة».

 



المصادر:


الكاتب

محمد الشرقاوي

محمد الشرقاوي
ترجمة

محمد الشرقاوي

محمد الشرقاوي
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
مراجعة

براءة ذويب

براءة ذويب



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة