حضارة المايا

30 يونيو 2026
9 مشاهدة
0 اعجاب

حضارة المايا



يُعد شعب المايا واحدًا من الشعوب الأصلية في المكسيك وأمريكا الوسطى، عاشوا على نحو متواصل في الأراضي التي تضم اليوم ولايات يوكاتان، وكينتانا رو، وكامبيتشي، وتاباسكو، وتشياباس في المكسيك، إضافةً إلى مناطق تمتد جنوبًا عبر غواتيمالا، وبليز، والسلفادور، وهندوراس. وتأتي تسمية «مايا» من مدينة مايابان القديمة في يوكاتان، التي كانت آخر عاصمة لإحدى ممالك المايا في فترة ما بعد الكلاسيكية.


يستند شعب المايا في تعريف هويته إلى روابط عرقية ولغوية، مثل الكيتشي في الجنوب واليوكاتيك في الشمال، مع وجود فروع أخرى كثيرة. ويُستخدم مصطلح «مايان» للإشارة إلى اللغة، في حين يشير مصطلح «مايا» إلى الشعب وثقافته.


أثار «المايا الغامضون» اهتمام العالم منذ «اكتشافهم» في أربعينيات القرن التاسع عشر على يد جون لويد ستيفنز وفريدريك كاثروود، لكن في الواقع، عند فهم ثقافتهم في سياقها الصحيح، تتضح جوانب واسعة منها ولا تعود غامضة إلى ذلك الحد.


على عكس التصور الشائع، لم يندثر شعب المايا، فما يزال أحفاده يعيشون على أراضي الأسلاف الذين شيدوا مدنًا عظيمة مثل تشيتشن إيتزا، وبونامباك، وأوشمال، وألتون ها، ويواصلون ممارسة الطقوس ذاتها، مع شيء من التغيير أحيانًا، إلا أنها لم تكن لتبدو غريبة على أحد أبناء تلك الأرض قبل ألف عام.


أصول المايا


ينقسم تاريخ أمريكا الوسطى القديمة عادةً إلى فترات محددة، تكشف عند النظر إليها مجتمعة تطور الثقافة في المنطقة، وتتيح لنا في هذا التعريف تتبع نشوء حضارة المايا وتطورها.


الفترة القديمة: 7000 – 2000 قبل الميلاد، خلال هذه الحقبة، بدأت الجماعات المنتمية إلى ثقافة الصيد وجمع الثمار في زراعة محاصيل مثل الذرة والفاصولياء وغيرها من الخضراوات، وأصبح تدجين النباتات والحيوانات، لا سيما الكلاب والديك الرومي، ممارسةً واسعة النطاق. وشهدت المنطقة آنذاك نشأة أولى قراها، التي ضمت أماكن مقدسة ومعابد مكرسة لآلهة مختلفة. ويعود تاريخ القرى التي جرى التنقيب عنها إلى الفترة الممتدة بين 2000 و1500 قبل الميلاد.


الفترة الأولمكية: 1500 – 200 قبل الميلاد، تُعرف هذه الحقبة أيضًا باسم «فترة ما قبل الكلاسيكية» أو «الفترة التكوينية»، وفيها ازدهر الأولمك، بوصفهم أقدم ثقافة في أمريكا الوسطى القديمة. استقر الأولمك على امتداد خليج المكسيك، وشرعوا في بناء مدن عظيمة من الحجر واللبن. وتعكس التماثيل الحجرية الضخمة المعروفة باسم رؤوس الأولمك مهارتهم المتقدمة في النحت، وتعود إلى هذه الفترة أيضًا أولى الدلائل على ممارسات دينية شامانية. أسهم الحجم الهائل لآثار الأولمك واتساع نطاقها في نشوء فكرة مفادها أن هذه الأرض كانت مأهولة ذات يوم بعمالقة. مع أن أصل الأولمك ومصيرهم لا يزالان مجهولين، فإنهم مهدوا الطريق لظهور الحضارات اللاحقة في تلك المنطقة.


الفترة الزابوتيكية: 600 قبل الميلاد – 800 ميلاديًا، نشأ المركز الثقافي المعروف حاليًا باسم مونتي ألبان في المنطقة المحيطة بما يُعرف اليوم بأواكساكا، ليصبح بعد ذلك عاصمة مملكة الزابوتيك. وكان تأثر الزابوتيك بالأولمك واضحًا، أو ربما كانت تربطهم صلة ما. ومن خلال الزابوتيك، انتشرت في المنطقة بعض أهم العناصر الثقافية، مثل الكتابة والرياضيات وعلم الفلك وتطوير التقويم، وهي عناصر صقلها المايا لاحقًا وارتقوا بها.


الفترة التيوتيهواكانية: 200 – 900 ميلاديًا، شهدت هذه الحقبة نمو مدينة تيوتيهواكان العظيمة من قرية صغيرة إلى مدينة كبرى ذات حجم هائل ونفوذ واسع، وفي مطلع صعودها، كانت تيوتيهواكان تنافس مدينةً أخرى تُدعى كويكويلكو، إلا أنها أصبحت القوة المهيمنة في المنطقة بعد أن دمر ثوران بركاني تلك المدينة نحو عام 100 ميلادي. وتشير الأدلة الأثرية إلى أن تيوتيهواكان كانت مركزًا دينيًا مهمًا، مكرسًا لعبادة إلهة أم عظيمة، إلى جانب قرينها، الأفعى ذات الريش. وكان الإله كوكولكان، إله الأفعى ذات الريش المعروف أيضًا باسم غوكوماتز، من أكثر الآلهة شعبية لدى المايا. وكما هي حال مدن كثيرة باتت أطلالًا في أنحاء جنوب القارة الأمريكية، هُجرت تيوتيهواكان في وقت ما نحو عام 900 ميلادي.


فترة إل تاجين: 250 – 900 ميلاديًا، تُعرف هذه الحقبة أيضًا باسم «الفترة الكلاسيكية» في تاريخ كل من أمريكا الوسطى القديمة وحضارة المايا. ويشير اسم «إل تاجين» إلى المجمع الحضري الكبير الواقع على خليج المكسيك، الذي صُنف أحد أهم مواقع تلك المنطقة. وخلال هذه المرحلة، ظهرت المراكز الحضرية الكبرى في أنحاء البلاد، وبلغ تعداد المايا الملايين. تطورت لعبة الكرة المعروفة باسم «بوك-آ-توك»، التي كانت ذات أهمية كبيرة، وعُثر في مدينة إل تاجين ومحيطها على ملاعب لهذه الرياضة تفوق في عددها ما وُجد في أي مكان آخر في المنطقة. ولا تزال هوية الجماعات التي سكنت إل تاجين على وجه الدقة موضع غموض، إذ ضمت المدينة أكثر من خمسين جماعة عرقية مختلفة، فيما نُسبت السيطرة فيها إلى كل من المايا والتوتوناك.


الفترة الكلاسيكية للمايا: 250–950 ميلاديًا، شهدت هذه الحقبة ترسخ السلطة في مدن المايا اليوكاتية الكبرى، مثل تشيتشن إيتزا وأوشمال، وتظهر في بعض المواقع تأثيرات ثقافية مباشرة تعود إلى الأولمك والزابوتيك، فضلًا عن سمات ثقافية مستمدة من تيوتيهواكان وإل تاجين. تكشف مواقع أخرى عن نشوء ثقافة جديدة تمامًا، كما في تشيتشن إيتزا، إذ توجد أدلة وافرة على الاقتباس الثقافي، ومع ذلك يتسم كل من فنها وعمارتها بطابع خاص يختلف بوضوح عن غيره.

ومثلت هذه الفترة ذروة حضارة المايا، إذ بلغوا فيها درجة عالية من الإتقان في الرياضيات وعلم الفلك والعمارة والفنون البصرية، وصقلوا التقويم وبلغوا به مستوى متقدمًا من الدقة. ويعود أقدم تاريخ مسجل في هذه الحقبة إلى المسلة 29 في مدينة تيكال عام 292 ميلاديًا، في حين يرد أحدث تاريخ مسجل في نقش على مسلة في موقع تونينا عام 909 ميلاديًا. وامتدت دول المدن التابعة لحضارة المايا من بيستي في الشمال وصولًا إلى هندوراس الحالية.


فترة ما بعد الكلاسيكية: 950–1524 ميلاديًا، في هذه المرحلة، هُجرت مدن المايا الكبرى. وحتى الآن، لم يُحدد تفسير قاطع لهذا النزوح الجماعي من المدن إلى المناطق الريفية المحيطة، غير أن تغير المناخ والاكتظاظ السكاني طُرحا بقوة ضمن احتمالات أخرى عدة. وفي أعقاب هجران هذه المدن، سيطرت قبيلة جديدة تُدعى التولتك على المراكز الحضرية الخالية، وجعلتها مأهولة من جديد. لتبرز لاحقًا تولا وتشيتشن إيتزا بوصفهما مدينتين مهيمنتين في المنطقة.


أما الاعتقاد الشائع بأن المايا أُخرجوا من مدنهم بفعل الغزو الإسباني، فهو اعتقاد خاطئ، إذ كانت هذه المدن خالية بالفعل قبل وقوع الغزو. وفي الحقيقة، لم يدرك الغزاة الإسبان أن السكان الأصليين الذين وجدوهم في المنطقة هم من شيدوا تلك المجمعات العمرانية الضخمة. عام 1524، هُزم مايا الكيتشي في معركة أوتاتلان، ويُنظر إلى هذا التاريخ تقليديًا أنه نهاية حضارة المايا.





المصادر:


الكاتب

شهد الملحم

شهد الملحم
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة