علماء الفلك يرصدون تصادمًا بين كوكبين!

6 مايو 2026
10 مشاهدة
0 اعجاب

علماء الفلك يرصدون تصادمًا بين كوكبين!


 

أدى تلاشي مفاجئ في ضوء نجم بعيد، بدا مثل وميض شمعة توشك على الانطفاء، إلى اكتشاف مذهل دفع الفلكيين لإعادة النظر في بعض تصوراتهم حول تشكل الكواكب.


وفقًا لتحليل التغيرات الغريبة التي طرأت على نجم شبيه بالشمس يُعرف باسم Gaia-GIC-1، ويقع على بُعد نحو 11,600 سنة ضوئية، فإن السلوك غير المعتاد لهذا النجم يُفسر على الأرجح بحدوث تصادم بين كوكبين ناشئين في محيطه القريب.


يقول عالم الفلك أناستاسيوس تزانيداكيس من جامعة واشنطن: «من المذهل أن تتمكن عدة تلسكوبات من رصد هذا الاصطدام في الزمن الحقيقي. يوجد عدد محدود جدًا من التصادمات الكوكبية المسجلة، ولا يوجد بينها ما يشبه هذا الحدث، خاصةً من حيث التشابه مع الاصطدام الذي يُعتقد أنه أدى إلى تشكل الأرض والقمر. إن رصد مثل هذه اللحظات في أماكن أخرى من المجرة سيساعدنا كثيرًا على فهم كيفية نشأة عالمنا».


تُعد الأنظمة الكوكبية، خصوصًا في مراحلها الأولى، بيئات شديدة الفوضى. إذ تنمو كتل الغبار تدريجيًا لتشكل بذور الكواكب، المعروفة بالكويكبات الأولية، في أي مكان تتوافر فيه ظروف مناسبة مثل الكثافة والجاذبية، بصرف النظر عن بقية الأجسام التي تدور حول النجم الفتي. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى تصادمات متكررة، كما يُعتقد أنه حدث في نظامنا الشمسي. فإلى جانب فترات القصف النيزكي الكثيف التي اصطدمت خلالها أعداد هائلة من الكويكبات بالكواكب الفتية، يُرجح أن جرمًا بحجم كوكب المريخ اصطدم بالأرض، ما أدى إلى تناثر الحطام في المدار وتشكل القمر لاحقًا.


إلا أن العثور على أدلة مباشرة لحدوث مثل هذه العمليات حول نجوم أخرى يُعد أمرًا بالغ الصعوبة. فالتصادمات الكوكبية تحدث على نطاقات صغيرة نسبيًا وبسرعة، ولا تخلف سوى سحب غبارية قصيرة العمر -على مقاييس الزمن الكوني- يصعب رصدها من مسافات بعيدة عبر المجرة.


مع ذلك، أتاحت المسوحات الفلكية الحديثة واسعة النطاق، مثل جايا، للفلكيين مراقبة مساحات شاسعة من السماء في آن واحد، وقياس سطوع وألوان ومواقع أعداد هائلة من النجوم، لرصد أي تغيرات غير مألوفة.


في حالة النجم Gaia-GIC-1، سُجلت أولى التغيرات قبل نحو عقد من الزمن، لكن لم يُلاحظ الأمر إلا لاحقًا عندما كان تزانيداكيس يراجع بيانات قديمة. يوضح: «كان ضوء النجم مستقرًا تمامًا، لكن بدءًا من عام 2016 ظهرت ثلاث انخفاضات في سطوعه، ثم عام 2021 أصبح سلوكه غير طبيعي تمامًا. لا يمكنني تأكيد أن نجومًا مثل شمسنا لا تتصرف بهذه الطريقة».


ينتمي هذا النجم إلى الفئة الطيفية F، وهو شبيه بالشمس لكنه أكبر حجمًا وأكثر حرارة، إذ يبلغ نصف قطره نحو 1.7 ضعف نصف قطر الشمس وكتلته نحو 1.3 ضعف كتلتها، ويقع في كوكبة Puppis ضمن المناطق الخارجية لقرص مجرة درب التبانة. رغم صعوبة تحديد عمره بدقة، فإنه يبدو مستقرًا ويقع ضمن مرحلة «التسلسل الرئيسي»، أي أنه في مرحلة النضج النجمي حيث تُولد طاقته عبر اندماج الهيدروجين في نواته. وعادةً ما تتسم نجوم هذه الفئة بالاستقرار النسبي، بخلاف الأقزام الحمراء النشطة أو النجوم المحتضرة مثل Betelgeuse.


لذلك، كان من المحير ملاحظة انخفاض كبير في سطوعه وصل إلى نحو 25%، وبنمط لم يُرصد من قبل. هنا اقترح عالم الفلك جيمس دافنبورت دراسة النجم باستخدام أطوال موجية مختلفة، ما كشف جانبًا جديدًا من الظاهرة.


يقول تزانيداكيس: «كان منحنى الضوء في الأشعة تحت الحمراء معكوسًا تمامًا لما نراه في الضوء المرئي. ففي حين بدأ الضوء المرئي بالخفوت والتذبذب، ازداد إشعاع الأشعة تحت الحمراء، ما يشير إلى أن المادة التي تحجب النجم ساخنة للغاية لدرجة أنها تشع في هذا النطاق».


تشير هذه الملاحظات إلى وجود سحابة غبارية ذات كتلة تقارب كتلة كويكب كبير، تقترب من نصف كتلة الكوكب القزم سيريس، وقد بلغت حرارتها نحو 900 كلفن. وفقًا للنماذج التي أعدها الباحثون، فإن الحدث الوحيد القادر على تفسير هذه المعطيات هو تصادم بين كويكبات أولية، يمكنه توليد الكتلة والحرارة المرصودتين، فضلًا عن تفسير التغيرات الغريبة في السطوع.


قد يحدث هذا التصادم عبر سلسلة من الاصطدامات الجزئية قبل الاصطدام النهائي العنيف، وذلك عندما تتقارب الأجسام تدريجيًا. تشير النتائج إلى أن هذا الحدث وقع على مسافة تقارب وحدة فلكية واحدة من النجم المضيف، المسافة ذاتها بين الأرض والشمس.


أهمية الاكتشاف لفهم نشأة الأرض


قد يشكل هذا الحدث دليلًا مهمًا لفهم المراحل الأولى من تشكل نظامنا الشمسي، وحتى نشأة الحياة على الأرض. يقول دافنبورت: «إن السؤال حول مدى ندرة الحدث الذي أدى إلى تشكل الأرض والقمر يُعد أساسيًا في علم الأحياء الفلكي».


«يبدو أن القمر عنصر حاسم جعل الأرض بيئة مناسبة للحياة، إذ يساعد في حمايتها من بعض الكويكبات، ويُسهم في توليد المد والجزر والأنماط المناخية التي تتيح تفاعلات كيميائية وبيولوجية على نطاق عالمي، وربما يؤدي دورًا في تنشيط حركة الصفائح التكتونية».


«حتى الآن، لا نعرف مدى شيوع هذه الديناميكيات. لكن إذا تمكنا من رصد المزيد من هذه التصادمات، فسنبدأ بفهمها فهمًا أعمق».

 



المصادر:


الكاتب

طيبة غازي

طيبة غازي
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
تدقيق

روزان جاسم إلياس

روزان جاسم إلياس



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة