علماء يثبتون خطأ فرضية فيزيائية عمرها 180 عام عن الضوء
اكتشف العلماء تفاعلًا بين الموجة الكهرومغناطيسية ومكوّنها المغناطيسي الخاص في أثناء مرورها عبر مادة، وبهذا يحدّثون افتراضًا عمره 180 عامًا كان يقتصر على التفاعل بين الضوء وحقله الكهربائي فقط.
تُعرف هذه الظاهرة باسم تأثير فاراداي (FE)، وقد وصفها مايكل فاراداي أول مرة عام 1845، وتقدم أحد أقدم الأدلة على التفاعل بين المغناطيسية والموجات الضوئية، إذ توضح كيف يتأثر شعاع الضوء في أثناء مروره عبر مادة شفافة عندما تتعرض هذه المادة لحقل مغناطيسي، وتحديدًا تغيير اتجاه استقطاب شعاع الضوء.
للتبسيط، قد يكون الضوء مستقطبًا أو غير مستقطب. عندما يكون الضوء غير مستقطب، تحدث اهتزازات حقله الكهرومغناطيسي في اتجاهات متعددة تعامد مستوى انتشار الضوء، لكن عندما يكون الضوء مستقطبًا تنتظم اهتزازات حقله الكهرومغناطيسي في اتجاه واحد. الأمر أشبه بتسوية ألياف الملابس المجعدة لتصبح مصفوفة ومنسقة.
ساد الظن طويلًا بأن تأثير فاراداي في استقطاب الضوء يعتمد فقط على تفاعل المكوّن الكهربائي للموجة الكهرومغناطيسية مع مغناطيسية المادة والحقل المغناطيسي الإضافي، ولكن في 2024، أظهر فريق بحث من الجامعة العبرية في القدس تجريبيًا تأثيرًا دقيقًا واضحًا للمكوّن المغناطيسي في الظاهرة المعاكسة لتأثير فاراداي، إذ يؤدي استقطاب الضوء إلى إحداث عزم مغناطيسي في المادة.
دمج الباحثون في دراستهم الجديدة نتائج تجربتهم مع حسابات معقدة مبنية على معادلة لاندو-ليفشيتز-جيلبرت التي تصف ديناميات المغناطيسية في المواد الصلبة، وذلك لتحديد إن كان هذا التفاعل الدقيق نفسه فعالًا أيضًا في تأثير فاراداي نفسه. اعتمدوا في حساباتهم على نماذج فيزيائية لبلورة تيربيوم-جاليوم-جارنيت، وهي بلورة قابلة للمغنطة وتُستخدم عادةً في تقنيات الألياف البصرية والاتصالات.
تشير الحسابات إلى أنّ الحقل المغناطيسي للضوء يسهم بنحو 17% من تأثير فاراداي في الأطوال الموجية المرئية و70% في الأطوال الموجية تحت الحمراء، وهو أمر مهم لا يمكن إهماله كما كان يفترض سابقًا.
أظهروا أن تأثير فاراداي يتأثر مباشرةً بالحقل المغناطيسي المتذبذب للضوء، وليس فقط الحقل الكهربائي له، كما كان يعتقد سابقًا. يقول الفيزيائي أمير كابوا:
«الضوء لا يضيء المادة فقط، بل يؤثر فيها مغناطيسيًا أيضًا، فالحقل المغناطيسي الثابت يلوي الضوء، والضوء بدوره يكشف عن الخصائص المغناطيسية للمادة ... ما وجدناه هو أن المكوّن المغناطيسي للضوء له تأثير من الدرجة الأولى، ونشاطه مفاجئ في هذه العملية».
وجدت هذه الدراسة طريقة أخرى يتفاعل بها الحقل المغناطيسي للضوء مع المادة، ليس بالتفاعل مع شحنة الإلكترون، بل بالتفاعل مع جانب آخر أساسي له، وهو العزم المغزلي (spin)، لأن كل إلكترون في كل جزء من المادة يمتلك كلًا من الشحنة والعزم المغزلي.
وصف كابوا هذا الاكتشاف لموقع ScienceAlert:
«في جوهر هذا التأثير يوجد مبدأ أساسي قد حددناه، وبعبارات عامة جدًا، يمكن تخيل العزم المغزلي للإلكترون كأنه شحنة صغيرة تدور حول محورها، تمامًا مثل دوامة مصغرة، ولكي يتفاعل مع الإلكترون الدوار ويحوّل اتجاه محور دورانه، يجب أن يكون الحقل المغناطيسي المتفاعل معه أيضًا دوّارًا، أي يجب أن يكون مستقطبًا دائريًا … يخلق هذا صورة متوازنة جميلة، فالحقل الكهربائي يؤثر بقوة خطية في الشحنة، في حين يمارس الحقل المغناطيسي المستقطب دائريًا والدوار عزمًا في العزم المغزلي للإلكترون».
يمكن لاكتشاف هذا التفاعل المهمل في تأثير فاراداي المعروف أن يوفر للعلماء وسيلةً للتحكم بالضوء والمادة بدقة أكبر، ما قد يؤدي إلى تقدم في مجالات الاستشعار والذاكرة والحوسبة، مثل الابتكارات في الحواسيب الكمّية بالتحكم عالي الدقة في البتات الكمّية المعتمدة على العزم المغزلي.
يستخدم مجال سبينترونيكس (Spintronics) العزوم المغزلية للإلكترونات، بدلًا من الشحنات لتخزين المعلومات ومعالجتها والتحكم بها.
يقول المهندس الكهربائي بنيامين أسولين: «يقترح هذا الاكتشاف إمكانية التحكم بالمعلومات المغناطيسية مباشرةً باستخدام الضوء».
تذكرنا هذه الدراسة بأحد ركائز العلم الأساسية المثيرة جدًا، التي تتمثل بإمكانية اكتشاف الباحثين لخصائص أخرى للضوء أو لظواهر كهرومغناطيسية أخرى لم تُعرف بعد، وذلك ممكن في أي وقت حتى ضمن النماذج الراسخة.
المصادر:
الكاتب
يزن عمران

تدقيق
محمد حسان عجك

ترجمة
يزن عمران
