علماء يطورون مساعدًا ذكيًا للتحكم في الأطراف الصناعية

19 فبراير 2026
10 مشاهدة
0 اعجاب

علماء يطورون مساعدًا ذكيًا للتحكم في الأطراف الصناعية


 

يشهد مجال الأطراف الاصطناعية تطورًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة، لا سيما في تصميم الأيدي الاصطناعية التي باتت تقترب إلى حدٍ بعيد من الأيدي البشرية الطبيعية من حيث الحرية بالحركة، ومستوى البراعة الحركية، وتعدد الوظائف. مع ذلك، وعلى الرغم من هذا التطور التقني الكبير، فإن نسبة غير قليلة من مستخدمي هذه الأطراف، خاصةً مبتوري الأطراف العلوية، يكفون عن استخدامها بعد فترة قصيرة من التجربة. تشير الإحصاءات إلى أن ما يصل إلى 50% من هؤلاء المستخدمين يتخلون عن الأيدي الصناعية نهائيًا، ما يسلط الضوء على وجود تحديات جوهرية لم تُحل بعد في هذا المجال.


أين تكمن إشكالية التحكم في الأيدي الصناعية؟


تُعد صعوبة التحكم العامل الرئيس الذي يدفع المستخدمين إلى التخلي عن الأيدي الصناعية. فعلى عكس اليد البشرية الطبيعية، التي تعمل عبر منظومة دقيقة من المنعكسات العصبية والاستجابات الحسية المتبادلة، تفتقر معظم الأطراف الصناعية التجارية إلى الاستقلالية الذاتية. في اليد الطبيعية، يؤدي أي انزلاق طفيف لجسم ممسوك إلى تنشيط مستقبلات ميكانيكية دقيقة في أطراف الأصابع، ترسل إشارات فورية إلى الجهاز العصبي لتعديل قوة القبضة خلال زمن يتراوح بين 60 و80 ميلي ثانية، أي قبل أن يدرك الإنسان ذلك. تُعد هذه الاستجابة التلقائية السريعة عنصرًا أساسيًا في تنفيذ المهام الدقيقة بسلاسة وكفاءة.


في المقابل، تتطلب الأيدي الصناعية من المستخدم التحكم اليدوي الكامل بكل حركة صادرة، ما يفرض عبئًا وظيفيًا كبيرًا. ويزداد هذا التعقيد عند الأخذ في الحسبان أن اليد البشرية تحتوي على نحو 27 مفصلًا رئيسيًا و20 عضلة مختلفة، إذ يجب على المستخدم محاكاة وظائفها بواسطة واجهات تحكم محدودة النطاق.


إذ تعتمد معظم الأطراف الصناعية المتوافرة تجاريًا على أنظمة تحكم بسيطة نسبيًا، مثل التطبيقات الرقمية التي تتيح اختيار أنماط قبضة يد محددة مسبقًا، وضبط القوى الناتجة عن المشغلات الميكانيكية. استُخدم تخطيط كهربية العضلات السطحي (EMG) بديلًا أقرب من التحكم الطبيعي، إذ تُترجم الإشارات الكهربائية الصادرة عن العضلات المتبقية إلى أوامر حركية للجزء الاصطناعي. إلا أن هذه التقنيات تظل غير كافية، إذ تتطلب من المستخدم تركيزًا مستمرًا للحفاظ على مستوى ثابت من تقلص العضلات، ما يجعل عملية الإمساك بالأجسام مرهقة وغير عملية في الحياة اليومية.


تصميم يد صناعية حدسية قائمة على الذكاء الاصطناعي


في محاولة لحل هذه التحديات، طور فريق بحثي من جامعة يوتا، بقيادة المهندس جيك جورج وبمشاركة الباحث مارشال تراوت، نموذجًا جديدًا لكف يد «حدسية» تعتمد على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساعدًا تشغيليًا. انطلق الباحثون من يد صناعية تجارية، أُعيد تصميم أطراف أصابعها لتضم مستشعرات ضغط وقرب مغلفة بالسيليكون، تتيح قياس المسافة من الأجسام المجاورة وتقدير القوة اللازمة للإمساك بها بدقة عالية.


أتاحت هذه المستشعرات للمنظومة القدرة على استشعار لحظة اقتراب الأصابع من الجسم المستهدف، وضبط قوة القبضة بما يمنع سحقه أو إفلاته. لتحليل البيانات الناتجة، طور الفريق وحدة تحكم ذكية قائمة على خوارزميات التعلم الآلي، مسؤولة عن تحريك المفاصل وضبط قوى القبض لكل إصبع على حدة. خلال مرحلة التدريب، نُفذت حركات متكررة ذهابًا وإيابًا، تلامس فيها أطراف الأصابع الأجسام ثم تبتعد عنها، بهدف جمع كمية كبيرة من البيانات اللازمة لتعليم النظام التعرف على خصائص الأجسام المختلفة.


مع تكرار هذه العمليات، أصبح النظام قادرًا على التمييز بين أنواع متعددة من الأجسام، والانتقال بسلاسة بين أنماط قبضات متنوعة، إضافةً إلى تحقيق تنسيق مستقل لكل إصبع، ما أدى إلى توليد أنماط قبض أقرب ما تكون إلى السلوك الطبيعي لليد البشرية.


مفهوم التحكم المشترك


يُعد مفهوم التحكم المشترك من أبرز الإضافات المفاهيمية التي قدمها هذا البحث. فعلى عكس الأنظمة السابقة التي كانت تتطلب من المستخدم تشغيل وضع الاستقلالية وإيقافه يدويًا، يعمل النظام الجديد في الخلفية بوصفه مساعدًا ذكيًا، دون أن ينتزع السيطرة من المستخدم. يظل المستخدم الطرف المسيطر، قادرًا على تشديد القبضة أو إرخائها أو تحرير الجسم في أي وقت، في حين يتولى الذكاء الاصطناعي ضبط التفاصيل الدقيقة للحركة والقوة بطريقة غير ملحوظة، أي يكون الذكاء الاصطناعي مساعدًا، لا مسيطرًا.


لاختبار فعالية النظام، أُجريت تجارب على مشاركين أصحاء وآخرين من مبتوري الأطراف، طُلب منهم تنفيذ مهام تتطلب دقة وتركيز عاليين، مثل التقاط كوب مصنوع من الورق والشرب منه، أو نقل بيضة من مكان إلى آخر. أظهرت النتائج أن نسبة النجاح من دون المساعد الذكي لم تتجاوز 10–20%، في حين ارتفعت إلى 80–90% عند تفعيل نظام الذكاء الاصطناعي.


أظهرت التجارب انخفاضًا ملحوظًا في العبء الواقع على المستخدمين فيما يخص تنفيذ المهام.


على الرغم من هذه النتائج المبهرة، يؤكد الباحثون أن اليد الصناعية المطورة لا تزال بعيدة عن بلوغ مستوى الأداء الذي تتمتع به اليد البشرية السليمة. تشير الخطط المستقبلية إلى ضرورة اختبار النظام في بيئات حياتية حقيقية، مثل المنازل، بدل الاقتصار على الظروف المخبرية المهيئة.


يرى الباحثون أن التحدي الأكبر لا يكمن في تصميم الأيدي الصناعية نفسها وإضافة ميزات ميكانيكية متقدمة، بل في تطوير واجهات تحكم أكفأ. يُشكل تطوير قنوات أكفأ للتواصل بين الجهاز العصبي والأنظمة الاصطناعية، باعتماد تقنيات متقدمة مثل تخطيط كهربية العضلات الداخلي أو الواجهات العصبية المزروعة، عنصرًا محوريًا في تحسين فاعلية الخوارزميات المستخدمة حاليًا. في هذا السياق، يسعى الفريق البحثي على المدى البعيد إلى توحيد هذه المقاربات التقنية ضمن جهاز واحد متكامل، يجمع بين الذكاء الاصطناعي والأنظمة الروبوتية والواجهات العصبية، بالتعاون مع جهات صناعية قادرة على نقل هذه الابتكارات من الإطار البحثي إلى مراحل التجارب السريرية واسعة النطاق، وصولًا إلى التطبيق التجاري. يُعد هذا التوجه خطوة مهمة نحو تحقيق تكامل أكثر سلاسة بين الإنسان والآلات، بما يفتح آفاقًا جديدة لتحسين جودة حياة مبتوري الأطراف.

 



المصادر:


الكاتب

طيبة غازي

طيبة غازي
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
ترجمة

طيبة غازي

طيبة غازي



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة