فيزيائيون يطرحون نظرية بديلة لحقل هيجز لتفسير نشأة الكتلة

26 فبراير 2026
10 مشاهدة
0 اعجاب

فيزيائيون يطرحون نظرية بديلة لحقل هيجز لتفسير نشأة الكتلة


 

أوضح مقال نظري نُشر حديثًا أن كتلة الجسيمات الأساسية، على شاكلة بوزونات Z و W، قد تكون نابعةً من الهندسة الملتوية للأبعاد الخفية. لقد رسم هذا العمل طريقة تمكن من تجاوز النظرية القائلة بأن حقل هيجز هو المصدر الذي يعطي للجسيمات كتلتها، وقدم أداةً جديدةً لفهم كيفية ظهور حقل هيجز نفسه للوجود، إضافةً إلى مجموعة من الوسائل المحتملة من أجل التعامل مع بعض الثغرات التي مازالت مستمرة في النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات. يقول عالم الفيزياء النظرية من الأكاديمية السلوفاكية للعلوم، ريتشارد بينتشاك: «تنشأ المادة في التصور الذي بلورناه من مقاومة الهندسة نفسها، لا من التفاعل مع حقل خارجي».


اقتُرح حقل هيجز لأول مرة في ستينات القرن الماضي بوصفه طريقةً لتفسير السبب الذي بموجبه تحتوى الجسيمات الأساسية على كتلة، هذا الأمر كان يطرح إشكالًا كبيرًا أحبط الكثير من الجهود التي بُذلت من أجل بناء نموذج متسق لفيزياء الجسيمات. لقد كان الفضل لحقل هيجز، إلى حد ما، في تمكن علماء الفيزياء من بناء النموذج المعياري الذي نعول عليه اليوم.


يمكن شرح الأمر باستخدام المثال التالي: تخيل أن الكون مملوء بمادة لزجة غير مرئية، على نحو يجعل من أي جسيم يتحرك عبر الكون، يتحرك بالضرورة عبر هذه المادة اللزجة، كما أنها تُحتم كذلك على هذه الجسيمات أن تتفاعل معها، لكن بطرق مختلفة، إذ إن الجسيمات التي تتفاعل مع المادة اللزجة بطريقة قوية، كما لو أنها تتخبط في الوحل، تتصرف على أنها (ثقيلة)، مثل بوزونات Z و W. في حين أن الجسيمات التي بالكاد ما تتفاعل معها تكون جسيمات (خفيفة) مثل الإلكترونات، أما الفوتونات فلا تتفاعل إطلاقا مع المادة. يُمثل هذا التفاعل مع المادة اللزجة الذي وصفناه لميكانيزم هيجز الذي يفسر بدقة من أين تنشأ كتلة الجسيمات.


إننا نعلم يقينًا أن حقل هيجز يوجد على وجه الحقيقة، وذلك بسبب أن التموج الكمومي الذي يحمله، أي بوزون هيجز، اكتُشف أخيرا وبشكل مؤكد في مصادم الهادرونات الكبير LHC عام 2012. لكن هذا لا يعني أن ميكانيزم هيجز قد أتى بإجابة عن كل الأسئلة المعلقة، فلا زلنا نجهل –مثلًا- السبب الذي يجعل لحقل هيجز تلك الخصائص التي تميزه، كما أنه لم يقدم تفسيرًا للمادة المظلمة، ولا للطاقة المظلمة، ولا حتى لعلة وجوده في المقام الأول، تنقصنا إذن العديد من المعلومات لكي تكتمل الصورة.


يرى بينتشاك وزملاؤه أنه يمكننا أن نجد بعض الإجابات لهذه الأسئلة في الهندسة الخفية، وذلك طبقًا للدراسة التي قاموا بها حول الفضاء سباعي الأبعاد الذي يُطلق عليه اسم المتشعب G2.


تجدر الإشارة إلى أن المتشعب manifold نوع من الفضاءات الرياضية، وهو مصطلح عام يحيل على أي شكل يحتوي على انحناءات أو طيات أو التواءات، وغالبًا ما يستعمله علماء الفيزياء لوصف هندسة الزمكان، أو للدلالة على الأبعاد الإضافية الخفية التي تقترحها بعض النظريات من قبيل نظرية الأوتار.


يمكن لهذا النوع من الفضاءات أن يضُم اتجاهات أكثر من الاتجاهات الثلاثة المعتادة في الحياة اليومية: فوق-تحت ويمين-يسار وأمام-خلف، إذ تضم بعض المتشعبات سبعة اتجاهات مستقلة تمامًا. المتشعب G2 هو فضاء ذو بنية خاصة سباعية الأبعاد منظم بطريقة شديدة التقييد.


طور الباحثون معادلة جديدة تسمى (G2-Ricci flow) تُمكنهم من نمذجة تغير المتشعبات G2 عبر الزمن، إذ يقول بينتشاك: «يمكن لهذه التركيبات ذات الأبعاد الإضافية أن تحتوي على التواءات، وهي نوع من الانحناءات الداخلية، شأنها في ذلك شأن التركيبات العضوية، مثل التواءات الحمض النووي وكيرالية الأحماض الأمينية. عندما نتتبع تطور هذه التركيبات عبر الزمن، نجد أن بإمكانها أن تستقر في تشكيلات ثابتة تسمى السوليتونات، هذه السوليتونات من شأنها أن توفر تفسيرًا هندسيا بحثًا لبعض الظواهر مثل ظاهرة التكسير التلقائي للتناظر».


السوليتون موجة منفردة مستدامة قادرة على أن تحافظ على شكلها باستمرار، وقد وجد الباحثون أن المتشعب G2 يستقر في تشكيلة ثابتة مشابهة للسوليتون، هذه التشكيلة تحتوي على انحناء أو التواء يُنقل إلى البوزونات Z و W، ما ينتج التأثير نفسه الذي تنشأ به كتلة الجسيمات تماما مثل ميكانيزم هيجز.


 تشير النتائج إلى أن التوسع المتسارع للكون قد يكون مرتبطًا بالانحناء الذي ينتج عن الالتواء نفسه الذي تُحدثه متشعبات G2. إذا كان هذا الالتواء يتضمن خصوصيات الحقل في الفيزياء، فيُفترض أن تتأتى عنه جسيمات، بالطريقة نفسها التي يتأتى بها بوزون هيجز عن حقل هيجز. أطلق الباحثون على هذا الجسيم الافتراضي اسم التورستون، ووضعوا كذلك وصفًا للسلوك المفترض لهذا الجسيم.


يمكن رصد جسيم التورستون، حال وجوده، في حالات الشذوذ التي تحدث داخل مصادمات الجسيمات، وأيضًا في الاضطرابات الغريبة في إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وحتى في تشوهات موجات الجاذبية. إن وجود هذا الجسيم بعيد كل البعد عن الإثبات، ولكن إذا ما كان حقل الالتواء موجودًا، فنحن نعرف الآن على الأقل من أين نبدأ البحث.


لقد كان حقل هيجز أيضًا في البداية فكرة جامحة ومثيرة للاهتمام، شأنه في ذلك شأن هذه المتشعبات، وقد استغرق الباحثون ما يقارب خمسين عامًا لإثبات وجوده، لذا نأمل ألا ننتظر مجددًا زمنًا طويلًا لكي نحصل على إجابات بشأن متشعبات G2. لكن حتى الآن، تعد هذه المقاربة واعدةً فيما يخص تقديم طريقة تعطي أجوبةً لبعض الأسئلة الملحة.


يقول بينتشاك: «عادةً ما تفضل الطبيعة الحلول الأبسط، ربما لم تحصل بوزونات Z و W على كتلتها من خلال تفاعلها مع بوزون هيجز، بل حصلت عليها مباشرةً من هندسة الفضاء سباعي الأبعاد».

 

 



المصادر:


الكاتب

فاطمة الزهراء حيرا

فاطمة الزهراء حيرا
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
ترجمة

فاطمة الزهراء حيرا

فاطمة الزهراء حيرا



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة