كيف يؤثر مرض التهاب الأمعاء في الجسم بأكمله؟
رغم اعتبار مرض التهاب الأمعاء اضطراب يصيب الجهاز الهضمي، فضلًا عن أن الأعراض الهضمية تُعد السمة الأساسية خلال نوبات نشاط المرض، فإن تأثيراته قد تمتد خارج الأمعاء.
يحدث مرض التهاب الأمعاء في شكلين: التهاب القولون التقرحي وداء كرون، وتُظهر قرابة 50% من الحالات المصابة بهما أعراضًا خارج الجهاز الهضمي، وتُعرف هذه الظواهر بالتأثيرات خارج المعوية.
يُعد الالتهاب المستمر العامل الرئيسي وراء هذه التأثيرات، إذ تنتقل البروتينات الالتهابية التي يفرزها الجهاز المناعي خارج الجهاز الهضمي لتؤثر في أنسجة سليمة، ما يؤدي إلى مجموعة من المضاعفات، وقد تساهم التغيرات في النظام الغذائي أو بكتيريا الأمعاء في حدوث ذلك. فضلًا عن ذلك، قد تؤدي الأدوية المستخدمة للسيطرة على المرض إلى زيادة خطر الإصابة باضطرابات صحية إضافية لدى بعض الحالات.
يطرح هذا المقال كيفية تأثير المرض في أجزاء أخرى من الجسم، والعلامات التي ينبغي الانتباه إليها، إضافةً إلى الخطوات التي يمكن اتخاذها لدعم الصحة العامة.
صحة العظام
تتكون العظام من أنسجة حية تتعرض باستمرار لعمليات الهدم والبناء للحفاظ على قوتها، وعندما يحدث فقدان العظام بوتيرة أسرع من تكوينها، تضعف وتصبح أكثر عرضة إلى الكسور.
يُسجَل انخفاض في كثافة العظام لدى ما يصل إلى 70% من المصابين بالتهاب الأمعاء، في اضطراب يسمى نقص الكثافة العظمية. أما هشاشة العظام، فهي تُعد مرحلة أكثر تقدمًا، تصبح فيها العظام شديدة الهشاشة.
يؤثر الالتهاب المزمن الناجم عن التهاب الأمعاء في أنسجة العظام بطريقة مباشرة ويزيد فقدان المعادن، وقد يساهم الاستخدام طويل الأمد للكورتيزونات المستخدمة أحيانًا للسيطرة على النوبات في تسريع فقدان العظام.
تؤدي التغذية أيضًا دورًا محوريًا في صحة العظام، لذا فعند صعوبة تناول كميات كافية من الطعام بسبب الأعراض، أو عند تأثر امتصاص المغذيات نتيجة الالتهاب، يصبح من الصعب تلبية الاحتياجات الموصى بها من العناصر الضرورية لصحة العظام، مثل الكالسيوم، وفيتامين د، وفيتامين ك، والمغنيسيوم.
نظرًا إلى أن نقص الكثافة العظمية وهشاشة العظام غالبًا لا يسببان أعراضًا واضحة، تبرز أهمية استشارة الطبيب لفحص كثافة المعادن في العظام وتحديد وتيرة إجراء الفحوصات اللازمة.
المفاصل
يعاني نحو 50% من المصابين آلام في المفاصل أو تورمًا أو تيبسًا، وعند ظهور هذه الأعراض دون وجود التهاب، فإنها تُصنف ضمن حالة تسمى ألم المفاصل.
أما حال وجود التهاب، فقد يشير ذلك إلى نوع من التهاب المفاصل المرتبط بالمرض يسمى التهاب المفاصل الطرفي، وينقسم إلى نوعين رئيسيين:
● النوع الأول من التهاب المفاصل الطرفي: يُعد الأكثر شيوعًا، ويصيب المفاصل الكبيرة في الذراعين والساقين واليدين والقدمين، وهو غالبًا ما يتفاقم بالتزامن مع أعراض المرض، لكن تساهم علاجات المرض في تخفيفه.
● النوع الثاني من التهاب المفاصل الطرفي: يستهدف المفاصل الصغيرة، ولا يرتبط بنوبات المرض، بل قد يظهر لدى بعض الحالات قبل التشخيص، وهو يتطلب علاجًا مستقلًا قد يشمل الأدوية أو العلاج الطبيعي.
يوصي الخبراء باستشارة الفريق الطبي المخصص للحالة عند ملاحظة أي تغيرات في المفاصل.
التغذية
صحيح أن التغذية الجيدة ضرورية للجميع، لكنها تكتسب أهميةً خاصة لدى المصابين بالتهاب الأمعاء، إذ ينتشر بينهم سوء التغذية وانخفاض مستويات العناصر الغذائية، مثل فقر الدم الناجم عن نقص الحديد.
يتعرض هؤلاء الأشخاص إلى أعراض مثل الألم، والإرهاق، وضعف الشهية، والمشكلات الهضمية المستمرة، لذا يصعب لديهم تناول كميات كافية من الطعام، وقد تؤدي مخاوفهم من نشاط الأعراض نتيجة بعض الأطعمة إلى تقييد خياراتهم الغذائية. إضافةً إلى ذلك، قد يقل امتصاص المغذيات نتيجة الالتهاب في القناة الهضمية.
قد يصاب مرضى التهاب الأمعاء أيضًا بفقر الدم عند عدم حصولهم على كميات كافية من الحديد أو غيره من العناصر الغذائية، ويزداد هذا الخطر مع فقدان الدم خلال نوبات المرض؛ بيد أنه يمكن اتخاذ خطوات لتحسين الحالة الغذائية، منها تقييم مستويات العناصر الغذائية ومناقشة الحاجة إلى مكملات غذائية مع الفريق الطبي المختص بالحالة، وعند مواجهة صعوبة في تناول الطعام، ينصح الخبراء بالاستعانة باختصاصي تغذية لوضع خطة غذائية متوازنة وآمنة.
الكبد والمرارة
يعمل الكبد والمرارة معًا لدعم عملية الهضم، إذ يُنتج الكبد العصارة الصفراوية، وتُخزَن في المرارة، ثم تُنقل عبر شبكة من القنوات إلى أنحاء الجسم.
تُعد التغيرات في صحة الكبد والمرارة من أكثر المظاهر خارج المعوية شيوعًا لالتهاب الأمعاء، إذ تُرصد نتائج غير طبيعية في اختبارات وظائف الكبد لدى نحو 30% من الحالات، وقد يصاب 5% منهم بأمراض الكبد. نتيجة التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء إلى جانب الالتهاب في الكبد أو المرارة أو القنوات الصفراوية، قد تحدث عواقب صحية تتضمن:
● التهاب الأقنية الصفراوية المصلب الأولي: يحدث عند التهاب القنوات الصفراوية وتضيقها، ما يعيق تدفق العصارة الصفراوية وقد يؤدي إلى فشل الكبد. يرتبط هذا المرض ارتباطًا وثيقًا بمرض التهاب الأمعاء، إذ يُشخَص 70% من المصابين به بالتهاب الأمعاء أيضًا.
● التهاب الكبد المناعي الذاتي: حالة التهابية أخرى قد تتفاقم إلى فشل كبدي، وهي نادرة عمومًا لكنها أكثر شيوعًا لدى المصابين بالتهاب الأمعاء تحديدًا.
● حصوات المرارة: يزداد احتمال تكونها لدى المصابين، وهي ترسبات تتجمع في المرارة وقد تسد القنوات، مسببةً ألمًا شديدًا.
تساعد الفحوصات الدورية في مراقبة إنزيمات الكبد واكتشاف التغيرات مبكرًا، ويستحسن تحديد مواعيد الفحص المناسبة بالتشاور مع الفريق الطبي المتخصص بالحالة.
الكلى
تعمل الكلى على تصفية الدم وإزالة الفضلات والسوائل الزائدة، وعند تراجع وظيفتها، تتراكم هذه الفضلات في الدم. قد يؤثر التهاب الأمعاء في صحة الكلى بطرق متعددة.
تؤدي نوبات المرض إلى فقدان السوائل والجفاف، ما يزيد الضغط على الكلى، إلى جانب أن سوء التغذية والالتهاب المستمر يمثلان عبئًا إضافيًا، وقد تسبب بعض الأدوية المستخدمة لمعالجة التهاب الأمعاء أيضًا ضررًا في الكلى.
فيما يلي أكثر اضطرابات الكلى شيوعًا لدى مرضى التهاب الأمعاء:
● اعتلال الكلية بالغلوبيولين المناعي A: ينشأ نتيجة تراكم الأجسام المضادة في المرشحات الدقيقة داخل الكلى، ما يؤدي إلى تلفها.
● التهاب الكلية الخلالي: يحدث عند التهاب المساحات بين الأنابيب الدقيقة في الكلى، وقد يكون حادًا أو مزمنًا.
يستخدم الأطباء فحوصات دورية للدم والبول لمتابعة وظائف الكلى.
القلب
تزيد الحالات الالتهابية مثل التهاب الأمعاء خطر الإصابة بأمراض القلب، إذ قد تؤدي زيادة البروتينات الالتهابية في أثناء نوبات نشاط المرض إلى تلف الأوعية الدموية، وتشير بعض الدراسات إلى احتمال ظهور أمراض القلب في سن مبكرة لدى المصابين بالتهاب الأمعاء مقارنةً بغيرهم.
تتأثر أمراض القلب بعوامل يمكن ضبطها وأخرى لا يمكن تغييرها، لكن مع ذلك يمكن اتخاذ بعض الخطوات للوقاية منها، مثل: اتباع نظام غذائي صحي، والحفاظ على النشاط البدني، وتقليل التوتر، ومعالجة التهاب الأمعاء للحد من الالتهاب في الجسم.
يستحسن مناقشة وتيرة فحص ضغط الدم وسكر الدم والكوليسترول مع الأطباء، وينبغي الالتزام بالعلاج عند الحاجة.
الجلد
قد يؤثر التهاب الأمعاء في الجلد لدى بعض الحالات، مسببًا مشكلات نادرة تتضمن:
● الحمامى العقدية: تنجم عن التهاب الدهون تحت الجلد، وتظهر على شكل كتل حمراء مائلة إلى الأرجواني، غالبًا في الساقين، وتتحسن مع هدوء المرض.
● التقيح الجلدي الغنغريني: حالة تؤدي إلى تقرحات جلدية مؤلمة وسريعة التطور، وتتحسن عادةً مع العلاج الفعال.
تُعد مراقبة الجلد لأي تغيرات أمرًا مهمًا لا سيما في أثناء النوبات، مع ضرورة إبلاغ الأطباء عن أي أعراض جديدة أو متفاقمة.
العينان
قد يؤثر التهاب الأمعاء أحيانًا في العينين، إذ تُلاحظ بعض الحالات الالتهابية الشائعة لدى المصابين، ومنها:
● التهاب الصلبة السطحي: يسبب احمرارًا وتهيجًا في الطبقة الشفافة التي تغطي بياض العين، وغالبًا ما يتحسن مع تحسن الأعراض الهضمية، وعادة لا يكون خطيرًا.
● التهاب الصلبة: يؤثر في بياض العين، وقد يسبب ألمًا شديدًا وتغيرات في الرؤية، وقد يظهر على نحو مفاجئ خلال فترات هدوء المرض.
● التهاب العنبية: يصيب الطبقة الوسطى من العين، وتشير الأبحاث إلى أن التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء قد تفسر العلاقة، ويُعد العلاج المبكر ضروريًا لتفادي فقدان البصر.
تُوصى مراقبة أي تغيرات في العين مثل الاحمرار أو الألم أو الحساسية للضوء أو اضطرابات الرؤية، مع ضرورة الإبلاغ عنها.
الصحة النفسية
قد تمتد تأثيرات المرض لتشمل الصحة النفسية، إذ ترتفع معدلات القلق والاكتئاب لدى المصابين بالتهاب الأمعاء مقارنة بغيرهم، ويرتبط ذلك بعدة عوامل مثل عدم قابلية التنبؤ بالأعراض، والألم المزمن، والإرهاق، والعزلة بسبب الإصابة بالأعراض.
لا تزال الأبحاث مستمرة حول محور الأمعاء-الدماغ، وهي تتناول دراسة كيفية تأثير كل منهما في الآخر.
يوصي الخبراء بمناقشة أي مخاوف نفسية مع أحد المقربين أو الفريق الطبي المتخصص بالحالة، إذ ينبغي ألا يتعامل المرء مع هذه التحديات وحده.
المصادر:
الكاتب
رحاب القاضي
