كيف يمكن للاندماج النووي منحنا طاقة غير محدودة؟
يُعد الاندماج النووي المحرك الأساسي للكون. فكل نجم في السماء يعمل مثل مفاعل اندماج هائل، إذ تؤدي الجاذبية الشديدة والحرارة العالية إلى حدوث تفاعلات نووية مستمرة تُطلق كميات ضخمة من الطاقة. هذه الطاقة هي التي توفر الضوء والحرارة، وتجعل الحياة ممكنة على الأرض. منذ نحو قرن، أدرك العلماء أن الشمس تعتمد على هذه العملية، ومنذ ذلك الوقت بدأت الجهود لمحاولة محاكاة الاندماج النووي على الأرض بهدف إنتاج طاقة نظيفة وتكاد تكون غير محدودة.
تتسابق في الوقت الحالي الحكومات والمختبرات العلمية والشركات الخاصة لتحقيق هذا الهدف. بعض الفرق تعتمد على تقنيات الليزر عالية القدرة، بينما يستخدم آخرون حقولًا مغناطيسية قوية وبلازما فائقة السخونة. رغم اختلاف الطرق، فإن الهدف واحد وهو بناء مفاعل اندماج قادر على توليد الكهرباء باستمرار. غير أن تحقيق ذلك يتطلب جهودًا علمية ومالية هائلة، وقد يستغرق عدة عقود قبل الوصول إلى التطبيق التجاري.
يحدث الاندماج النووي عندما تتحد نواتان خفيفتان، عادة من الهيدروجين، لتشكلا نواةً أثقل مثل الهيليوم. خلال هذه العملية تتحول كمية صغيرة من الكتلة إلى طاقة، وفق العلاقة بين الكتلة والطاقة. على العكس من ذلك، تعتمد المفاعلات النووية الحالية على الانشطار، إذ تنقسم نواة ثقيلة مثل اليورانيوم إلى نواتين أصغر مع إطلاق الطاقة.
لكن دمج نواتي هيدروجين ليس أمرًا سهلًا، لأن البروتونات موجبة الشحنة تتباعد بفعل التنافر الكهربائي. لذلك يجب تسخين المادة إلى درجات حرارة هائلة تتحول عندها إلى بلازما، وهي حالة تنفصل فيها الإلكترونات عن الذرات وتتحرك الجسيمات بسرعة كبيرة تسمح بحدوث الاندماج. حتى في الشمس لا يحدث الاندماج بسهولة إلا بتوفر ظاهرة تسمح بذلك، وهي ظاهرة «النفق الكمومي».
لتحقيق اندماج أكفأ على الأرض، يستخدم العلماء نظيرين للهيدروجين هما الديوتيريوم والتريتيوم. وعند اندماجهما يتكون الهيليوم وينطلق نيوترون مع كمية كبيرة من الطاقة. تكمن أهمية هذا الوقود في أن غرامًا واحدًا منه قد يطلق طاقة تعادل آلاف اللترات من النفط.
الديوتيريوم متوافر نسبيًا في مياه البحار، إذ يحتوي على نيوترون إضافي ويُعرف الماء الذي يحتوي عليه بالماء الثقيل. أما التريتيوم فهو نادر ويتحلل بسرعة، لذلك يعمل العلماء على إنتاجه داخل المفاعل باستخدام الليثيوم. ويُعد تأمين إمدادات كافية من التريتيوم أحد التحديات الرئيسية أمام الاندماج النووي.
تعتمد فكرة الاندماج على تسخين البلازما إلى درجات حرارة تصل إلى نحو 100 مليون درجة مئوية، ثم احتجازها فترةً كافية لحدوث التفاعل. هنا تظهر المشكلة الكبرى إذ إن البلازما الساخنة لا يجب أن تلامس جدران المفاعل، لأن ذلك يؤدي إلى تبريدها وإتلاف الجهاز. لذلك طُورت عدة طرق لاحتوائها.
الطريقة الأولى هي الاحتواء بالجاذبية، وهو ما يحدث في الشمس. فكتلة الشمس الهائلة تولد ضغطًا كبيرًا يسمح بحدوث الاندماج. لكن هذه الطريقة غير ممكنة على الأرض لأن الكتلة المطلوبة ضخمة جدًا.
الطريقة الثانية هي الاحتواء المغناطيسي، وتُستخدم فيها أجهزة تُسمى «توكاماك». هذا الجهاز حجرة دائرية تُحاط بمغناطيسات فائقة التوصيل تحبس البلازما داخل مجال مغناطيسي قوي. بهذه الطريقة تبقى البلازما معلقة دون أن تلامس الجدران. وتصل حرارة البلازما في مركز الجهاز إلى درجات أعلى من حرارة مركز الشمس، في حين تبقى المغناطيسات نفسها شديدة البرودة لتعمل بكفاءة.
تُحول طاقة الاندماج داخل هذه المفاعلات إلى كهرباء عبر طبقة تُسمى «البطانية»، تمتص طاقة النيوترونات الناتجة وتحولها إلى حرارة، ثم تُستخدم هذه الحرارة لإنتاج بخار يدير التوربينات الكهربائية، وهي الطريقة نفسها المستخدمة في معظم محطات الطاقة.
أما الطريقة الثالثة فهي الاندماج بالقصور الذاتي. في هذه التقنية تُستخدم أشعة ليزر قوية لضغط كبسولة صغيرة من وقود الديوتيريوم والتريتيوم بسرعة هائلة. يؤدي هذا الضغط إلى حدوث تفاعل اندماج يستمر جزءًا صغيرًا جدًا من الثانية، لكنه يطلق طاقة كبيرة. عام 2022 حقق العلماء إنجازًا مهمًا عندما أنتج أحد هذه التجارب طاقة أكبر من الطاقة المستخدمة لبدء التفاعل، ما يُعرف بمرحلة «الإشعال».
كي تتحول هذه التقنية إلى مصدر طاقة عملي، يجب تكرار هذه الانفجارات الصغيرة عدة مرات في الثانية، وهو ما يتطلب تطوير أنظمة ليزر أكفأ. يعمل الباحثون حاليًا على بناء ليزرات قادرة على العمل بسرعة عالية وتكلفة أقل.
لا يقتصر الأمر على اختيار طريقة واحدة فقط، إذ يجري تطوير تقنيات هجينة تجمع بين الحقول المغناطيسية والقصور الذاتي. مع أن تحقيق الاندماج المستمر لا يزال تحديًا كبيرًا، فإن التقدم في السنوات الأخيرة زاد التفاؤل بإمكانية الوصول إلى محطات طاقة اندماجية بحلول منتصف القرن.
ما زالت توجد عقبات مهمة، مثل تطوير مواد تتحمل درجات الحرارة الشديدة، وبناء أنظمة فعالة لتحويل الطاقة، وتأمين دورة وقود مستدامة للتريتيوم. مع ذلك، يزداد الاستثمار في هذا المجال بسرعة، وتعمل عدة مشاريع دولية على بناء مفاعلات تجريبية تمهد للانتقال إلى الاستخدام التجاري.
يُعد الاندماج النووي المصدر الرئيس لطاقة النجوم. وإذا تمكن العلماء من تطبيقه على الأرض، فقد يتيح إنتاج طاقة كبيرة ونظيفة اعتمادًا على وقود متوافر نسبيًا، مع كمية نفايات أقل مقارنةً بالمفاعلات النووية الحالية. مع أن الوصول إلى هذا الهدف ما زال يتطلب مزيدًا من التطوير، فإن التقدم الحديث يشير إلى إمكانية اقتراب عصر طاقة الاندماج، إذ يُحتمل أن يتمكن الإنسان مستقبلًا من تسخير الطاقة نفسها التي تُنير الكون.