للعضلات نوع خاص من الذاكرة.. كيف تعمل؟

20 مايو 2026
14 مشاهدة
0 اعجاب

للعضلات نوع خاص من الذاكرة.. كيف تعمل؟


 

سواء أكان الأمر يتعلق بركوب الدراجة أم حياكة سترة، توجد مهام نستطيع أداءها دون تفكير واعٍ.


غالبًا ما نُرجع هذه القدرة إلى ما يعرف بذاكرة العضلات، أي الفكرة التي تقول إن أجسامنا تستطيع تذكر كيفية أداء المهام المعقدة، ومع الوقت تصبح هذه المهام تلقائية.


لكن هل تمتلك العضلات ذاكرة فعلًا؟ وما دور الدماغ في ذلك؟ لنلقِ نظرة على التفسير العلمي.

 

ما المقصود بذاكرة العضلات؟


في الاستخدام الشائع، يشير هذا المصطلح إلى المهارات التي نؤديها دون تفكير كبير، مثل ركوب الدراجة، أو العزف على آلة موسيقية، أو حتى ربط الحذاء.


لكن في علم الإدراك، يعرف هذا النوع من الذاكرة باسم الذاكرة الإجرائية، وليس ذاكرة العضلات. وعلى عكس ما قد يبدو، فإن هذه الذاكرة لا تقتصر على العضلات، بل يشترك فيها الدماغ أساسًا.


قد يستخدم المصطلح أيضًا بمعنى حرفي أكثر، لوصف ظاهرة تبدو فيها العضلات كأنها تتذكر التدريب السابق، إذ تنمو بسرعة أكبر أو تستعيد قوتها بشكل أسرع بعد التمرين.


تدعم الدراسات هذه الفكرة، إذ تشير إلى أن التدريب السابق قد يسرع نمو العضلات، ربما عبر تغييرات في بنية خلايا العضلات أو طريقة عملها.


مع ذلك، لا يزال العلماء يجهلون الآلية الدقيقة لهذه الظاهرة. في جميع الأحوال، لا تبدو هذه التغيرات كأنها تمكن العضلات من تخزين الذكريات أو المعلومات كما يفعل الدماغ.

 

كيف تعمل الذاكرة الإجرائية؟


يصنف العلماء الذاكرة الإجرائية ضمن الذاكرة غير التصريحية، أي أنها قائمة على الأداء والفعل لا على الكلمات. لذلك، يصعب أحيانًا شرح المهارات المكتسبة من خلالها بالكلام.


تخيل مثلًا أنك تحاول تعليم طفل ركوب الدراجة. يمكنك بسهولة أداء الحركات الصحيحة بنفسك -الإمساك بالمقود، الصعود، تحريك الدواسات- لكن وصف هذه العملية بالكلمات فقط سيكون أصعب بكثير.


تشير الأبحاث إلى أن التكرار هو الوسيلة الأكثر فاعلية وسرعة لتعزيز هذا النوع من الذاكرة. فعند تعلم مهارة جديدة، نحتاج في البداية إلى تركيز وجهد كبيرين، لأننا نتحكم في كل خطوة بشكل واعٍ للتيقن من تنفيذها بشكل صحيح.


بمرور الوقت، تتحول هذه المهارات إلى أفعال تلقائية، لدرجة أنك قد تقود إلى منزلك دون أن تتذكر الطريق الذي سلكته، لأنك ببساطة تكرر سلسلة من الأفعال التي مارستها مئات المرات.


يتطلب الحفاظ على الذاكرة الإجرائية تنسيقًا بين عدة مناطق في الدماغ، إذ تختلف العمليات العصبية المستخدمة في أثناء التعلم النشط عن تلك المستخدمة عند الأداء التلقائي.


في المراحل الأولى من التعلم، تنشط مناطق القشرة الجبهية الأمامية والمناطق الجبهية الجدارية، المرتبطة بالانتباه والتفكير الواعي المتعمد.


لكن مع التكرار والممارسة، يبدأ الاعتماد على الدوائر الحسية الحركية، التي تعالج المعلومات الحسية الواردة من البيئة وتساعد الدماغ على اختيار الاستجابة الحركية المناسبة.


هكذا، يصبح بإمكاننا أداء مهام معقدة بجهد واعٍ أقل.

 

ما تأثير أمراض مثل الخرف؟


المثير للاهتمام أن الذاكرة الإجرائية تبقى سليمة إلى حد بعيد رغم التدهور المعرفي.


الأشخاص المصابون بالخرف أو غيره من الاضطرابات الإدراكية يواجهون صعوبة أكبر في المهام التي تتطلب جهدًا واعيًا، لكنهم غالبًا يحتفظون بالمهارات التلقائية التي اكتسبوها عبر حياتهم.


لهذا قد نرى أشخاصًا مصابين بالخرف ما زالوا قادرين على الحياكة أو رقص التانغو، رغم عجزهم عن تذكّر أسماء أقرب الناس إليهم.


تشير الدراسات إلى أن للموسيقى تأثيرًا قويًا في الذاكرة الإجرائية.


ففي دراسة كندية، تبين أن المصابين بخرف ألزهايمر الذي يؤثر في الذاكرة والإدراك والسلوك، كانوا يتعرفون على الكلمات بشكل أفضل عندما تغنى بدلًا من أن تقال.


قد تساعد الذاكرة الإجرائية هؤلاء المرضى على تعلم مهارات جديدة، إضافةً إلى الاحتفاظ بالمهارات القديمة.


في دراسة أسترالية، حاول الباحثون معرفة ما إذا كان بإمكان شخص مصاب بألزهايمر شديد تعلم أغنية جديدة. وكانت النتيجة أن امرأة تبلغ 91 عامًا، لم يسبق لها ممارسة الموسيقى، استطاعت تعلم أغنية جديدة بالكامل.


رغم عدم قدرتها على تذكر الكلمات في اختبار تقليدي للذاكرة، فإنها تمكنت من غناء الأغنية مجددًا بعد أسبوعين.

 

هل يمكن تحسين الذاكرة الإجرائية؟


لا توجد طريقة سريعة أو سهلة لتحسين هذا النوع من الذاكرة.


في البداية، يجب تجاوز مرحلة التعلم الأولى، التي تتطلب تركيزًا وجهدًا كبيرين، وهنا تكمن أهمية الممارسة.


فالتدريب المستمر يساعد الدماغ على تقليل الاعتماد على المناطق المسؤولة عن الانتباه، وزيادة الاعتماد على المناطق المرتبطة بالحركة.


لتحقيق أفضل نتائج، ينصح بتوزيع التمرين على جلسات متعددة، لأن ذلك يجبرك على استرجاع المهارة وإعادة بنائها بعد فترات من التوقف.


بمرور الوقت، يعزز ذلك تكوين الذاكرة طويلة الأمد. أيضًا فإن النوم بعد التدريب يؤدي دورًا مهمًا، إذ تشير الأبحاث إلى أنه يساعد على تثبيت المهارات الجديدة.


مع أن تطوير الذاكرة الإجرائية يتطلب وقتًا وجهدًا، فإنه استثمار مجدٍ. فكل مهارة جديدة تضيف بعدًا جديدًا إلى حياتك.


حتى مع تدهور القدرات المعرفية لاحقًا، تبقى هذه المهارات وسيلة للحفاظ على صلتك بالعالم وبالأشخاص والذكريات التي تهمك.



المصادر:


الكاتب

أريج حسن اسماعيل

أريج حسن اسماعيل
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
مراجعة

براءة ذويب

براءة ذويب



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة