لماذا استغرقت عودة البشر إلى سطح القمر وقتًا طويلًا؟

29 مايو 2026
7 مشاهدة
0 اعجاب

لماذا استغرقت عودة البشر إلى سطح القمر وقتًا طويلًا؟



للمرة الأولى منذ أكثر من خمسين عامًا، يعود البشر في طريقهم إلى القمر. فقد انطلقت مهمة أرتميس 2 في الأول من أبريل 2026 للدوران حول القمر قبل العودة إلى الأرض، ويتوّج هذا الإطلاق سنوات من العمل الشاق والالتزام وتوجيه الجهود نحو هدف واحد، وهنا يبرز سؤال منطقي: لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت للعودة إلى القمر؟


لقد تمكّن البشر من الوصول إلى القمر في ستينيات القرن الماضي، ومن البديهي أن يبدو ما أمكن تحقيقه آنذاك ممكنًا اليوم وبسهولة أكبر، وقد يعود السبب البسيط إلى تراجع الاهتمام بالرحلات الفضائية، وتلاشي بعض الخبرات العملية اللازمة لتحقيق ذلك، لكن الصورة أعقد من ذلك، ولتوضيحها لا بد من العودة إلى البداية.


نشأ سباق الفضاء الأصلي الذي أوصل البشر إلى القمر عبر برنامج أبولو في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وكان في ظل حماس استثنائي غذّته أجواء الحرب الباردة والحاجة إلى إظهار التفوق السياسي والتكنولوجي على المستوى العالمي. كان الوصول إلى القمر هدفًا استراتيجيًا ملحًّا، ولم يكن خيار التأخر واردًا. وقد رافق هذا الحماس عنصر حاسم في قصة استكشاف الفضاء البشري، وهو التمويل. إذ بلغت ميزانية وكالة ناسا خلال سباق الفضاء مستويات ضخمة مقارنة بما تحصل عليه اليوم، واستمر الدعم السياسي والمالي عبر إدارتين رئاسيتين على الأقل، وبلغ الإنفاق الفضائي ذروته عام 1966، إذ كان الوصول إلى القمر يُعد آنذاك أولوية كبرى دفعت صناع القرار إلى تخصيص موارد مالية هائلة لتحقيقه.


ولكن الأولويات تتغير دائمًا، وبالنسبة لناسا بدأ هذا التغير حتى قبل انتهاء برنامج أبولو رسميًا، فبحلول عام 1972 كانت الميزانيات قد خُفِّضت وأُلغيت عدة مهمات، ومع محدودية الموارد المتاحة قررت ناسا في عهد إدارة نيكسون تحويل تركيزها إلى تطوير برنامج مكوك الفضاء، بهدف الانتقال من المهمات القمرية المكلفة إلى وجود مستدام في المدار الأرضي المنخفض.


أصبح برنامج مكوك الفضاء لاحقًا محور نشاط الوكالة إلى جانب بناء محطة الفضاء الدولية، ما أدى إلى توسيع نطاق البحث العلمي الفضائي ضمن تعاون دولي متعدد الأطراف، وهو نهج مختلف عما كان عليه الحال خلال الستينيات وبداية السبعينيات. ومع إنجاز هذه الأهداف بموارد أقل، تراجع الاهتمام بالقمر وأصبح هدفًا ثانويًا.


وخلال تلك الفترة ظهرت عقبة رئيسية أخرى أمام العودة إلى القمر، تمثلت في فقدان الخبرة العملية، وليس المقصود اختفاء مفاجئ للمخططات والوثائق، وإنما التلاشي التدريجي للمعرفة مع تقاعد المهندسين والفنيين الذين امتلكوا خبرة تصنيع المكونات المتخصصة، وتوقف سلاسل الإمداد التي كانت تدعم هذه الصناعة. وهكذا أصبحت إعادة بناء القدرات التقنية أمرًا يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين. وبذلك بقيت فكرة الوجود البشري على القمر فترة طويلة معلقة، إذ بدا أن الهدف قد تحقق سابقًا، وأن تكلفته مرتفعة، دون وجود دافع قوي للعودة.


تغيّر هذا الوضع عندما ازداد الاهتمام بإرسال البشر إلى المريخ، فبعد إلغاء برنامج كونستيليشن بين 2005-2009، تطوّر رسميًا إلى برنامج باسم أرتميس لاحقًا، وهدفه النهائي إنشاء قاعدة طويلة الأمد على القمر صالحة لوجود بشري مستدام.


ويُعد هذا المشروع خطوة تمهيدية لاستخدام القمر بوصفه منصة انطلاق نحو المريخ، بما يمهّد لتحويل البشرية إلى نوع متعدد الكواكب. وساهم أيضًا التمويل الكبير من شركاء القطاع الخاص كشركات الفضاء التجارية في استمرار البرنامج وتجنب إلغائه كما حدث في محاولات سابقة.


لكن الهدف النهائي ما يزال هذا بعيد المنال، فمهمة أرتميس 2 هو أول مهمة مأهولة ضمن البرنامج، وتهدف أساسًا إلى اختبار قدرة مركبة أوريون وصاروخ نظام الإطلاق الفضائي على نقل رواد الفضاء إلى القمر والعودة بأمان.


وبعد نجاح المهمة بعد ترقّب كبير، نرى أهمية الجهود المتراكمة التي كان لا بد من تحقيقها حتى تصبح هذه المغامرة واقعًا ملموسًا، وفي النهاية لا بد من تأكيد عظمة هذا الإنجاز الذي يستحق القائمون عليه كل التقدير، إذ تكوّن الفريق من أربعة روّاد فضاء (القائد ريد وايزمان، والطيار فيكتور غلوفر، واختصاصية المهمة كريستينا كوك، واختصاصي المهمة جيريمي هانسن)، ولم تتضمن أرتيمس 2 هبوطًا على سطح القمر، وسيُترك ذلك لمهمات أرتميس اللاحقة.



المصادر:


الكاتب

طيبة غازي

طيبة غازي
مراجعة

محمد حسان عجك

محمد حسان عجك
تدقيق

يوسف محمد الجنيدي

يوسف محمد الجنيدي



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة