لماذا تتوقف بعض مجرات التفجير النجمي بشكل غامض عن تشكيل النجوم؟
لا يحدث احتضار المجرة بهدوء أو تدريجيًا. فالمناطق المسؤولة عن إنتاج النجوم فيها، التي كانت سابقًا تعمل بوتيرة هائلة وتنتج ملايين النجوم، تتوقف فجأة عن نشاطها. وبدلًا من أن تمر بمرحلة خفوت بطيئة، تشهد انقطاعًا سريعًا وحادًا، وتعرف هذه الظاهرة لدى علماء الفلك باسم الخمود السريع.
تُعد هذه الظاهرة من أبرز الألغاز المرتبطة بما يُعرف بمجرات ما بعد الانفجار النجمي، وهي من الظواهر الكونية المثيرة للاهتمام، مع أنها كثيرًا ما تمر دون انتباه واسع. وبالنسبة إلى علماء الفلك، تمثل هذه المجرات مسارح جريمة كونية، إذ شهدت في الماضي القريب اندفاعًا هائلًا في تشكّل النجوم، أشبه باندفاع كوني ضخم، لكنها الآن تكاد تخلو من أي نشاط نجمي جديد. ويشبه الأمر دخول قاعة احتفال توقفت فيها الموسيقى فجأة، وانطفأت أنوارها، وغادر جميع من فيها على عجلة. وهذا المشهد يثير تساؤلات كثيرة عن سبب هذا الفراغ المفاجئ، والسرعة المذهلة التي حدث بها هذا التحول.
تكمن الصعوبة في أن هذه المجرات نادرة جدًا، إذ لا تمثل سوى أقل من 1% من مجموع المجرات المعروفة في الكون. هذه الندرة تجعل دراستها أمرًا معقدًا. ففي المراحل الأولى من البحث، اعتمد العلماء على تحليل الضوء المرئي الصادر عنها، لا سيما من خلال رصد خطوط امتصاص قوية تعود إلى نجوم فتية ساخنة من النوع A، مع غياب واضح لخطوط الانبعاث التي تشير عادةً إلى استمرار تشكل النجوم. غير أن هذه الأساليب، التي وُضعت منذ سنوات، لم تكن قادرة على كشف جميع هذه المجرات، ما جعل الصورة العلمية ناقصة.
لكي نفهم حقًا ما يحدث عندما تتوقف مجرة فجأة عن إنتاج النجوم، يجب أولًا معرفة العنصر الأساسي المسؤول عن تكوين النجوم، وهو الغاز، تحديدًا الغاز البارد. فالنجوم لا تظهر من عدم، بل تتشكل داخل سحب كثيفة وباردة من الهيدروجين الجزيئي. إذا فقدت المجرة هذا الغاز، أو تعرّض لاضطرابات تمنع تجمعه وانضغاطه، فإن عملية تكوين النجوم تتوقف مباشرة.
لكن الواقع أعقد. فقد كانت الدراسات السابقة المتعلقة بهذه المجرات الانتقالية غير متجانسة، إذ استخدمت معايير مختلفة لاختيار العينات، وتفاوتت درجات الحساسية في الرصد، واعتمد كثير منها على أعداد صغيرة من المجرات، ما حال دون الوصول إلى صورة موحدة وواضحة. نتيجة لذلك، ظهرت استنتاجات متضاربة دون تفسير شامل ومتماسك. بل إن بعض الدراسات ذهبت إلى أن بعض المجرات قد تبقى غنية بالغاز، مع ذلك لا تُنتج نجومًا، ما أربك العلماء كثيرًا.
في المقابل، أوضحت أبحاث أخرى أن عددًا من هذه المجرات التي بدت ساكنة وغنية بالغاز لم تكن خاملة فعليًا، بل ظلت تشهد نشاطًا نجميًا مستمرًا، إلا أن هذا النشاط كان محجوبًا خلف سحب كثيفة من الغبار الكوني، ما جعله غير مرئي عند الرصد بالضوء المرئي. لهذا ظلت الصورة غير واضحة، واستمرت فجوة معرفية مهمة في فهم هذه المرحلة من تطور المجرات.
من هنا ظهرت دراسة إيمبرز 1، وهي دراسة يمكن وصفها بأنها تحقيق فلكي متكامل ودقيق. قاد هذا العمل الباحث بن ف. راسموسن من جامعة فيكتوريا، بمشاركة علماء من مؤسسات مرموقة، من بينها معهد علوم تلسكوب الفضاء وجامعة سانت أندروز. وقد قرر الفريق تنفيذ أول تقييم موحد وشامل لكمية الغاز الذري والغاز الجزيئي في عينة كبيرة ومنتقاة بعناية من مجرات ما بعد الانفجار النجمي.
بدأ الباحثون بإعداد قائمة ضمت 114 مجرة مرشحة، استُخرجت من بيانات المسح الرقمي للسماء (سلون)، اختيرت وفق معايير دقيقة تتعلق بالكتلة النجمية والمسافة من الأرض. ثم بدأت المرحلة الأصعب، وهي الرصد الطويل والدقيق لهذه المجرات.
للكشف عن الهيدروجين الذري، وهو الغاز البارد المنتشر الذي يُعد خزانًا أوليًا قد يتحول لاحقًا إلى وقود لتكوين النجوم، استخدم الفريق التلسكوب الصيني العملاق (فاست). ويبلغ قطر هذا التلسكوب 500 متر، ما يجعله من أقوى الأدوات القادرة على رصد الإشارات الراديوية الخافتة القادمة من مسافات بعيدة جدًا.
أما الوقود المباشر لتكوين النجوم، أي الهيدروجين الجزيئي، فمن الصعب رصده مباشرةً، لذلك يعتمد علماء الفلك على مادة بديلة تُستخدم مؤشرًا إليه، وهي أول أكسيد الكربون. فوجود هذا الغاز يدل غالبًا على وجود الهيدروجين الجزيئي داخل السحب الباردة القابلة للانهيار وتشكيل النجوم.
ولقياس انبعاثات أول أكسيد الكربون، أمضى راسموسن وزملاؤه 188.9 ساعة رصدية موزعة على أربعة برامج علمية مختلفة باستخدام تلسكوب إيرام البالغ قطره 30 مترًا. أسفرت هذه الجهود عن 52 رصدًا جديدًا، أضيفت إليها 9 أرصاد محفوظة سابقًا، ليصل العدد النهائي للعينة المدروسة إلى 61 مجرة.
أظهرت النتائج الأساسية أن مجرات ما بعد الانفجار النجمي تعاني نقصًا واضحًا في الهيدروجين الجزيئي مقارنةً بالمجرات النشطة التي ما تزال تنتج النجوم. فقد تراوح مقدار الانخفاض بين 0.3 و0.6 مرة أقل من كمية الغاز الموجودة في مجرات مماثلة لها من حيث الكتلة النجمية. تشير هذه النتيجة بقوة إلى أن أحد أهم أسباب الإخماد السريع هو ببساطة نفاد الوقود اللازم لتكوين النجوم. بصياغة أبسط، ينتهي النشاط النجمي بسبب نفاد الوقود.
غير أن القصة لا تنتهي هنا، بل تصبح أكثر إثارة وتعقيدًا. فهذا لا يعني أن جميع هذه المجرات أصبحت خالية تمامًا من الغاز. فقد أظهرت الدراسة وجود تنوع كبير في كميات الغاز البارد المحتفظ بها داخل هذه المجرات. إذ احتفظ بعضها بنسبة من الغاز الجزيئي تراوحت بين 2% من كتلتها النجمية، ووصلت في بعض الحالات المرصودة إلى 250% من الكتلة النجمية.
هذا يعني أنه رغم أن المعدل العام يشير إلى حالة من الفقر الغازي، فإن التاريخ الفردي لكل مجرة يختلف عن الأخرى بدرجة كبيرة. ولهذا التنوع أهمية كبيرة في فهم تطور المجرات. ما يدل على عدم وجود آلية واحدة عامة تؤدي إلى الإخماد السريع في جميع الحالات.
في بعض المجرات، قد يكون التوقف نهائيًا وغير قابل للعكس، نتيجة فقدان حاد للغاز اللازم لتكوين النجوم. أما في مجرات أخرى، ولا سيما تلك التي ما تزال تحتفظ بجزء مهم من مخزونها الغازي، فقد توجد فرصة لحدوث تجدد نجمي، أي عودة نشاط ولادة النجوم مرة أخرى ولو مؤقتًا، بحيث يكون التوقف مرحلة عابرة لا نهاية حتمية.