لماذا يعتقد بعض البشر أننا نعيش في محاكاة ولا نعيش واقعًا حقيقيًا؟

25 مارس 2026
12 مشاهدة
0 اعجاب

لماذا يعتقد بعض البشر أننا نعيش في محاكاة ولا نعيش واقعًا حقيقيًا؟


       

هناك أشياء يمكن رؤيتها مباشرةً، كالأصابع، وأشياء أخرى كالذقن، إذ نحتاج إلى مرآة أو كاميرا لرؤيتها، وهناك أشياء أخرى لا تُرى، لكننا نؤمن بوجودها لأن أحد الوالدين أو المعلمين أخبرنا بها، أو قرأناها في كتاب.


أستخدم أدوات علمية دقيقة ورياضيات معقدة بصفتي فيزيائيًا لمحاولة معرفة ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي، لكن لا يوجد مصدر من هذه المصادر موثوق تمامًا: فالقياسات العلمية قد تكون خاطئة، وحساباتي قد تحتوي على أخطاء، حتى العيون قد تخدع صاحبها، كالفستان الذي أثار ضجة كبيرة على الإنترنت لعدم اتفاق أحد على ألوانه.


لطالما تساءل البعض عما إذا كان بإمكاننا الوثوق بأي معلومة لأن كل مصدر من مصادر المعلومات -حتى معلمينا- قد يخدعنا أحيانًا.


إذا كان لا يمكن الوثوق بأي شيء، فهل يمكن التحقق من أن المرء مستيقظ؟ قبل آلاف السنين، حلم الفيلسوف الصيني تشوانغ تزو بأنه فراشة، وأدرك أنه ربما كان في الواقع فراشة تحلم بأنها إنسان.


تساءل أفلاطون عما إذا كان كل ما نراه مجرد ظلال لأشياء حقيقية. ربما العالم الذي نعيش فيه طوال حياتنا ليس العالم الحقيقي؛ ربما هو أشبه بلعبة فيديو ضخمة، أو مثل فيلم The Matrix.


فرضية المحاكاة


فرضية المحاكاة هي محاولة حديثة لاستخدام المنطق والملاحظات المتعلقة بالتكنولوجيا للإجابة عن هذه الأسئلة وإثبات أننا نعيش على الأرجح في عالم أشبه بلعبة فيديو عملاقة.


طرح الفيلسوف نيك بوستروم هذه الحجة قبل 20 عامًا استنادًا إلى التطور السريع الذي تشهده ألعاب الفيديو والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي. استمر هذا التطور حتى بات بإمكان الناس اليوم الانغماس في تجارب واقع افتراضي غامرة أو التحدث إلى كائنات اصطناعية تبدو واعية.


توقع بوستروم هذه التطورات التكنولوجية في المستقبل، وتخيل عالمًا نستطيع فيه محاكاة تريليونات البشر بشكل واقعي، وأشار إلى أنه إذا استطاع أحدهم إنشاء محاكاة لشخص ما تبدو تمامًا مثله من الخارج، فستشعر بها تمامًا من الداخل، بكل أفكارك ومشاعرك.


لنفترض أن هذا صحيح. أي أنه في وقت ما، في القرن الحادي والثلاثين مثلًا، ستكون البشرية قادرة على محاكاة ما تشاء. عندها، سيكون من المحتمل وجود بعض المتحمسين للقرن الحادي والعشرين بينهم، يقومون بتشغيل العديد من المحاكيات المختلفة لعالمنا، إما للتعرف علينا أو لمجرد التسلية.


 ها هو الجدل المنطقي المذهل الذي طرحه بوستروم: إذا كان كوكب الأرض في القرن الحادي والعشرين قد وُجد لمرة واحدة فقط، لكنه سيجري في النهاية محاكاته تريليونات المرات، وإذا كانت هذه المحاكيات متقنة إلى درجة تجعل الناس داخلها يشعرون بأنهم بشر حقيقيون، فعندئذ يُرجح أن يكون المرء يعيش في واحدة من تريليونات محاكيات الأرض، وليس على الأرض الأصلية الوحيدة.


كانت هذه الحجة ستكون أكثر إقناعًا لو كان بإمكان المرء بالفعل تشغيل محاكيات قوية اليوم، ولكن ما دام هناك اعتقاد بأن الناس سيشغلون تلك المحاكيات يومًا ما، فمن المنطقي عندئذ الاعتقاد بأن المرء يعيش على الأرجح في إحداها اليوم.


علامات أننا نعيش في محاكاة


إذا كنا نعيش في محاكاة، فهل يُفسر ذلك شيئًا؟ ربما تحتوي المحاكاة على خلل، ولذلك لم يكن الهاتف في المكان الذي كنت متأكدًا من تركه فيه، أو كيف عرفت أن شيئًا ما سيحدث قبل وقوعه، أو لماذا بدا ذلك الفستان على الإنترنت غريبًا جدًا. هناك أوجه أكثر جوهريةً يُشبه فيها عالمنا المحاكاة.


لا يُمكننا رؤية أي شيء يبعد أكثر من 50 مليار سنة ضوئية تقريبًا، لأن الضوء لم يُتح له الوقت الكافي للوصول إلينا منذ الانفجار العظيم. يبدو هذا مُريبًا، وكأنه لعبة فيديو لا يُمكن فيها رؤية أي شيء أصغر من بكسل أو أي شيء خارج حافة الشاشة.

هناك تفسيرات أخرى لكل ذلك يالطبع. دعونا نواجه الحقيقة: ربما تكون قد أخطأت في تذكر مكان وضع هاتفك.

لكن حجة بوستروم لا تتطلب أي دليل علمي. يبدو هذا صحيحًا منطقيًا ما دمنا نؤمن حقًا بوجود العديد من المحاكاة القوية في المستقبل. اقتنع علماء مشهورون مثل نيل ديغراس تايسون وعمالقة التكنولوجيا مثل إيلون ماسك بذلك لهذا السبب، مع أن تايسون يُرجح الآن أن الاحتمالات متساوية.

يبدي آخرون تشككًا أكبر، فالتكنولوجيا اللازمة لتشغيل مثل هذه المحاكاة الضخمة والواقعية بالغة القوة لدرجة أن بوستروم يصف هذه المحاكيات بأنها خارقة، وهو يُقر بأن البشرية قد لا تصل أبدًا إلى هذا المستوى من الإتقان في مجال المحاكاة.

إن فرضية المحاكاة تُعد حجةً منطقيةً وفلسفيةً مُلفتةً للنظر مع أن المسألة لا تزال بعيدة عن الحسم، إذ تحدت مفاهيمنا الأساسية عن الواقع، واستحوذت على خيال الملايين.

 



المصادر:


الكاتب

محمد الشرقاوي

محمد الشرقاوي
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
تدقيق

لين الشيخ عبيد

لين الشيخ عبيد



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة