محاولة العلماء نشر الإنفلونزا تكشف شيئًا غير متوقع!
أجرى علماء تجربة كانت نتيجتها صادمة: إذ وضعوا مجموعة من المتطوعين عدة أيام داخل غرفة فندقية صغيرة برفقة أشخاص مصابين فعليًا بالإنفلونزا، ثم لعب المتطوعون ألعاب جماعية، وتبادلوا الأغراض، ومارسوا تمارين رياضية معًا تحت ظروف صُممت لتعزيز انتشار الفيروس، لكن مع ذلك لم تُسجَّل أي حالة إصابة بالإنفلونزا بينهم! فما سبب ذلك؟
جاءت هذه النتيجة غير المتوقعة من دراسة محكمة التصميم هدفت إلى الإجابة عن سؤال أساسي: كيف ينتشر فيروس الإنفلونزا في الواقع؟
من المعروف أن فيروس الإنفلونزا ينتقل عبر الهباء الجوي أو القطيرات المجهرية التي تصدر عند السعال أو العطس أو حتى في أثناء التنفس الطبيعي، وقد ينتقل أيضًا من شخص إلى آخر عبر الأسطح الملوثة مثل مقابض الأبواب أو الهواتف.
تعتمد كفاءة انتشار الفيروس على عدة عوامل، من ضمنها كمية الفيروس التي يُطلقها الشخص المصاب، ودرجة الحرارة والرطوبة داخل المكان، ومدى قرب الأشخاص بعضهم من بعض.
لفهم العوامل الأكثر تأثيرًا، أجرى باحثون من جامعة ماريلاند الأمريكية تجربةً ميدانية على انتقال العدوى باستخدام أشخاص أصيبوا بالإنفلونزا طبيعيًا.
جمع الباحثون مجموعةً من المشاركين داخل غرفة فندقية، إذ اختلط الأشخاص المصابين فعليًا بالإنفلونزا، الذين أشاروا إليهم في الدراسة بصفة «المانحين»، مع المتطوعين غير المصابين والذين أطلقوا عليهم صفة «المستقبلين». كان الهدف بسيطًا: التحقق من إمكانية انتقال الفيروس في ظروف مصممة لتعزيز العدوى.
رغم التواصل القريب والمطوّل لعدة أيام، لم تُسجَّل أي إصابة بين المستقبلين!
اختلف هذا النهج عن دراسات سابقة أُصيب فيها متطوعون أصحاء عمدًا بالإنفلونزا لأغراض البحث، لكن استخدم باحثو هذه الدراسة تحديدًا أشخاص مصابين بالعدوى طبيعيًا سعيًا لتمثيل كيفية انتشار المرض خارج المختبر بطريقة أدق.
نُفذت نسختان من التجربة: في الأولى، شارك مانح واحد الغرفة مع ثمانية مستقبلين، وفي الثانية، شارك أربعة مانحين مع ثلاثة مستقبلين. تراوحت أعمار المانحين بين 20 و22 عامًا، في حين تراوحت أعمار المستقبلين بين 25 و45 عامًا.
ضبط الباحثون درجة الحرارة والرطوبة داخل الغرفة عند مستويات يُعتقد أنها تعزز انتقال الإنفلونزا، إذ تراوحت الحرارة بين 22 و25 درجة مئوية، والرطوبة بين 20% و45%، وأغلقوا أيضًا مسارات التهوية غير المحكمة مثل النوافذ والأبواب وتسريب في وحدات التكييف قبل عزل المشاركين، بهدف خلق بيئة ذات تهوية منخفضة وجودة هواء ضعيفة.
على مدار فترة تراوحت بين ثلاثة إلى سبعة أيام، قضى المشاركون ساعات طويلة معًا داخل مساحة محدودة، وقد شملت أنشطتهم ألعاب الورق من قرب، والمشاركة في جلسات رقص أو يوغا، وتبادل استخدام أدوات مشتركة مثل الأقلام وأجهزة الميكروفون والأجهزة اللوحية.
راقب باحثو الدراسة انتقال العدوى بقياس مستويات الفيروس في هواء الزفير واللعاب ومسحات الفم لدى المانحين، وفحصوا أيضًا الأدوات المشتركة وهواء الغرفة لرصد الجزيئات الفيروسية، فضلًا عن رصد أعراض المرض لدى المشاركين، مثل السعال والعطس والصداع وغيرها من علامات الإنفلونزا الشائعة.
.
لماذا لم تنتقل العدوى؟
أكدت عدة عينات من المانحين وجود إصابة نشطة بالإنفلونزا، إلا أنه لم تُسجل أي نتيجة إيجابية لدى المستقبلين، وفي حين أن بعضهم أبلغ عن أعراض خفيفة مثل الصداع، فإنه لم يكن هناك دليل واضح على الإصابة بالمرض.
طرح الباحثون ثلاثة تفسيرات رئيسية لعدم انتقال العدوى: انخفاض كمية الفيروس الصادرة من المانحين، ووجود مناعة جزئية لدى المستقبلين، إضافةً إلى نمط دوران الهواء داخل الغرفة.
صحيح أن الاعتقاد الشائع يقول إن الأطفال يؤدون دورًا رئيسيًا في انتشار الإنفلونزا، إلا أن هذه الدراسة اقتصرت على البالغين، ولوحظ أن المانحين البالغين أطلقوا كميات محدودة نسبيًا من الفيروس، وقد يُعزى ذلك إلى سلالات الفيروس أو أعمار المشاركين أو قلة الأعراض الظاهرة لديهم، لوحظ أيضًا انخفاض واضح في معدلات السعال والعطس، ما حصر كمية الفيروس المنتشرة في الهواء.
في المقابل، قد يكون المستقبلون أقل قابليةً للإصابة بالفيروس، إذ مرّوا جميعهم بمواسم إنفلونزا متعددة، وتلقى بعضهم لقاحات في سنوات سابقة، في حين تلقى أحدهم اللقاح في الموسم الحالي، يحتمل أن هذا التعرض السابق ساهم في تكوين مستوى من المناعة لديهم ضد الفيروس.
رغم ضبط درجة الحرارة والرطوبة بمستويات تدعم انتقال العدوى، فإن ارتفاع معدل تدوير الهواء الناتج من المراوح قد أدى إلى تشتيت سحب الهواء المحملة بالفيروس، إذ بدلًا من بقائها مركزة حول المانحين، يُحتمل أنها تفرقت وتخففت، ما قلل كمية الفيروس المستنشقة.
تشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن السعال والعطس يُعدان من العوامل الأساسية في انتشار الإنفلونزا، لا سيما لدى الأفراد الذين يصدرون كميات كبيرة من الفيروس، ويُشار إليهم أحيانًا بصفة «الناشرين الفائقين»، ويبدو أيضًا أن المناعة لدى المعرضين للعدوى وحركة الهواء داخل الأماكن المغلقة تؤدي دورًا حاسمًا.
لا تشير هذه الدراسة إلى أن الإنفلونزا مرض غير خطير أو صعب الانتقال؛ إذ تُسجل سنويًا ملايين وربما مليارات الحالات حول العالم، مع وجود أدلة قوية على أن الانتقال عبر الهباء الجوي يؤدي دورًا محوريًا، وإنما توضح أن ظروف انتشار العدوى أعقد من مجرد الوجود في المكان ذاته مع شخص مصاب.
لا يصدر جميع الأفراد الفيروس بالكمية ذاتها، ولا يتمتع الجميع بدرجة القابلية ذاتها للإصابة، ويعد الانتقال عبر الهباء الجوي أكثر احتمالًا في أثناء السعال والعطس، لذا يوصي الخبراء بعزل المصابين قدر الإمكان وارتداء كمامات محكمة لتقليل انبعاث الفيروس في الهواء. فضلًا عن ذلك، تعد التهوية الجيدة وتدوير الهواء من العوامل المهمة، لا سيما في الأماكن الصغيرة سيئة التهوية.
عند وجود شك، يستحسن الافتراض بإمكانية انتقال العدوى أو التقاطها بالفعل، فهو الخيار الأكثر أمانًا، وذلك مع الالتزام بإرشادات الصحة العامة مثل التطعيم واستخدام الكمامات عند الحاجة.
المصادر:
الكاتب
رحاب القاضي
