ثورة في التصوير: مستشعر جديد يكسر الحاجز البصري الكلاسيكي
على مر العقود، أحدثت تقنيات التصوير ثورة في فهمنا للكون، بدءًا من رسم خرائط المجرات البعيدة باستخدام مصفوفات التلسكوبات الراديوية، وصولًا إلى كشف أدق التفاصيل المجهرية داخل الخلايا الحية. مع ذلك، ورغم هذا التاريخ الطويل من الابتكار، ظلت عقبة جوهرية قائمة: كيف يمكن التقاط صور عالية الدقة واسعة المجال عند الأطوال الموجية الضوئية، دون الاعتماد على عدسات معقدة أو الخضوع لقيود صارمة في محاذاة الضوء؟
كشفت دراسة جديدة أجراها غوان تشنغ، أستاذ الهندسة الطبية الحيوية ومدير مركز الابتكار في الهندسة الطبية الحيوية والهندسة الحيوية (CBBI) بجامعة كونيتيكت، بالتعاون مع فريقه البحثي في كلية الهندسة بالجامعة، عن حل ثوري قد يُعيد تشكيل مستقبل التصوير الضوئي في مجالات العلم والطب والصناعة. ونُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة ناتشر.
قال تشنغ: «يكمن جوهر هذا الإنجاز في مشكلة تقنية طال أمدها. فالتصوير ذو الفتحة الاصطناعية، وهو الأسلوب نفسه الذي مكن تلسكوب أفق الحدث من التقاط أول صورة لثقب أسود، يعتمد على دمج القياسات الصادرة عن عدة مستشعرات متباعدة بتزامن، بحيث تعمل معًا كما لو كانت فتحة تصوير واحدة أكبر بكثير».
تطبيق هذا الأسلوب ممكن في علم الفلك الراديوي، لأن الأطوال الموجية لموجات الراديو أطول بكثير، ما يسمح بتحقيق تزامن دقيق بين المستشعرات. أما عند أطوال الضوء المرئي، حيث تكون المقاييس المطلوبة أصغر بعدة درجات حجمًا، فإن متطلبات التزامن التقليدية تصبح شبه مستحيلة التحقق فيزيائيًا.
كيف تغلبت تقنية MASI على الحواجز الضوئية
تقلب تقنية جهاز تصوير تركيب الفتحة متعدد المقاييس (MASI) هذا التحدي رأسًا على عقب، فبدلًا من إلزام عدة مستشعرات ضوئية بالعمل في تزامن فيزيائي مثالي - وهي مهمة تتطلب دقة نانومترية - تتيح تقنية MASI لكل مستشعر قياس الضوء قياسًا مستقلًا، ثم تعتمد لاحقًا على خوارزميات حاسوبية متقدمة لمزامنة البيانات ومعالجتها.
تشبه الفكرة وجود عدة مصورين يلتقطون المشهد نفسه، لا على هيئة صور تقليدية، بل قياسات خام لخصائص موجات الضوء، ثم تتولى البرمجيات لاحقًا دمج هذه اللقطات المستقلة في صورة واحدة فائقة الدقة.
يؤدي هذا الأسلوب الحاسوبي في المزامنة إلى الاستغناء عن طريقة التزامن التقليدي الذي حال دون التطبيق العملي لأنظمة الفتحة الاصطناعية في مجال الضوء المرئي، حتى وقت قريب.
طريقة التصوير الفريدة لتقنية MASI
تختلف تقنية MASI عن أساليب التصوير الضوئي التقليدية بعاملين جوهريين. فبدلًا من الاعتماد على العدسات لتركيز الضوء على مستشعر واحد، تستخدم MASI مصفوفة من المستشعرات المُرمزة، موزعة في مواقع مختلفة ضمن مستوى حيود الضوء.
يمدد النظام هذه الحقول رقميًا بعد استعادة الحقل الموجي المُركب لكل مستشعر، ثم يُجري لها انتشارًا عدديًا رجوعيًا نحو مستوى الجسم المصور. ثم تُطبق خوارزمية حاسوبية لمزامنة عملية ضبط تكرارية للفروق النسبية بين بيانات المستشعرات، بهدف تعظيم الاتساق العام والطاقة في إعادة البناء الموحدة.
تمثل هذه المرحلة جوهر الابتكار. إذ تعتمد تقنية MASI على تحسين دمج الحقول الموجية برمجيًا بدلًا من محاذاة المستشعرات فيزيائيًا، ما يسمح بتجاوز حاجز الحيود الضوئي وغيره من القيود التي تفرضها تقنيات التصوير البصري التقليدية.
النتيجة النهائية فتحة اصطناعية افتراضية تفوق في حجمها أي مستشعر منفرد، تتمكن من تحقيق دقة دون ميكروية وتغطية مجال تصوير واسع، من دون الحاجة إلى عدسات إضافية.
مزايا تقنية MASI وآفاقها المستقبلية
تفرض العدسات التقليدية - سواء الموجودة في الميكروسكوبات أم الكاميرات أم التلسكوبات - مقايضات تصميمية لا مفر منها. فكلما كان الهدف تمييز تفاصيل أدق، تعيّن تقريب العدسة من الجسم المراد تصويره، وغالبًا إلى مسافات لا تتجاوز بضعة مليمترات، ما يقيد مسافة العمل ويجعل بعض مهام التصوير غير عملية.
هنا تتميز تقنية MASI، إذ تتخلى كليًا عن استخدام العدسات، إذ تلتقط أنماط حيود الضوء من مسافات تصل إلى عدة سنتيمترات، ثم تعيد بناء الصور بدقة تصل إلى ما دون الميكرون. ويشبه ذلك القدرة على فحص النتوءات الدقيقة في شعرة إنسان من على سطح مكتب، بدلًا من تقريبها لمسافة عدة بوصات قليلة من العين.
قال تشنغ: «تمتد التطبيقات المحتملة لتقنية MASI عبر مجالات متعددة، بدءًا من علوم الأدلة الجنائية والتشخيص الطبي، وصولًا إلى الفحص الصناعي والاستشعار من بُعد».
ويضيف: «لكن ما يثير الحماس حقًا هو قابلية التقنية للتوسع. فعلى عكس البصريات التقليدية التي تزداد تعقيدًا أُسّيًا كلما كبر حجمها، يتوسع نظامنا خطّيًا، ما قد يتيح إنشاء مصفوفات كبيرة لتطبيقات لم نتخيلها بعد».
ويمثل جهاز تصوير تركيب الفتحة متعدد المقاييس (MASI) تحولًا جذريًا في مفهوم التصوير الضوئي. إذ تنتقل مهمة تجاوز القيود البصرية التقليدية التي تفرضها البصريات الفيزيائية من المستشعرات التقليدية إلى الحوسبة. بفصل عملية القياس عن التزامن، واستبدال العدسات الضخمة بمصفوفات مستشعرات تتحكم بها البرمجيات، تفتح تقنية MASI آفاقًا جديدة لتصوير عالي الدقة، ومرن، وقابل للتوسع.
المصادر:
الكاتب
محمد اسماعيل

ترجمة
محمد اسماعيل
