ناسا تسجل البرق لأول مرة على المريخ

4 فبراير 2026
21 مشاهدة
0 اعجاب

ناسا تسجل البرق لأول مرة على المريخ


 

في تسجيلات حصلت عليها مركبة (بريسيرفانس) التابعة لناسا، تمكن العلماء لأول مرة من تحديد التفريغات الكهربائية التي حدثت في أثناء عواصف الغبار الشديدة والدوامات الغبارية على المريخ، وخلال عامين مريخيين من المراقبة رصدت التسجيلات هذه التفريغات 55 مرة.


أهم من ذلك، أن الأحوال الجوية المغبرة التي حدثت فيها هذه التفريغات تكشف عن الظروف المحددة اللازمة لتوليد الكهرباء في الغلاف الجوي الرقيق والجاف جدًا للمريخ، وهو أمر كان يشتبه بوجوده منذ زمن طويل، لكنه لم يُثبت مباشرةً إلا الآن.


يُعتقد أن الصواعق تحدث عندما تتسبب الظروف المضطربة في الغلاف الجوي بتحرك الجسيمات واحتكاكها ببعضها، ما يؤدي إلى توليد شحنة كهربائية. ومع التراكم الكبير لهذه الشحنة، يصبح لا بد لها من التصريف في مكان ما، فيحدث التفريغ الكهربائي المعروف بالصاعقة.


الصواعق موجودة في كل مكان على الأرض، وتنتج بعضًا من أجمل الظواهر الجوية على كوكبنا. وعادةً ما ترتبط الصواعق بسحب بخار الماء، لكن الرطوبة ليست شرطًا ضروريًا. فمثلًا، تتصاعد الصواعق في أعمدة الرماد الضخمة التي تنبعث من البراكين. وحتى العواصف الرملية تستطيع توليد شحنات كافية لإحداث تفريغات كهربائية، مع إنها تحتوي جسيمات سيليكات جافة تعمل عوازل، لا موصلات.


سُجل البرق على كوكبي المشتري وزحل، واكتُشِف مؤقتًا على نبتون وأورانوس، وكلها تختلف كثيرًا عن الأرض، اقترح العلماء أن آليات مشابهة قد تحدث على المريخ، مع إن غلافه الجوي الذي يتكون أساسًا من ثاني أكسيد الكربون أرق بكثير وأكثر جفافًا من غلاف الأرض الجوي، أما مسألة البرق على الزهرة فما زالت غير محسومة.


تشير النماذج إلى أنه إذا حدثت تفريغات كهربائية على المريخ، فهي على الأرجح قريبة من السطح، حيث الضغط الجوي أعلى. ولحسن الحظ تنشط اليوم عربات الاستكشاف الجوالة (المركبات) على سطح المريخ، ومنها مركبة (بريسيرفانس) المزودة بأداة قادرة على رصد علامات البرق.


حلل فريق من العلماء البيانات التي جمعها ميكروفون (سوبركام) الخاص بمركبة (بريسيرفانس)، وهو جهاز قادر على تسجيل البيانات الصوتية والتداخلات الكهرومغناطيسية. وراجع الفريق بقيادة عالم الكواكب بابتيست شيد من جامعة تولوز في فرنسا 28 ساعة من تسجيلات الميكروفون، بحثًا عن علامات التفريغ الكهربائي بين الغبار الدوامي للكوكب.


وتمكنوا من تحديد 55 حدثًا، سبعة منها سجلت توقيع التفريغ الكهربائي المميز بالكامل. في البداية، يسجل الجهاز نبضة إلكترونية مفاجئة ناجمة عن التداخل الكهرومغناطيسي في أثناء تداخل التفريغ الكهربائي مع أسلاك الميكروفون، يلي هذه النبضة استرخاء يستمر نحو 8 ميلي ثانية.


اختتمت الأحداث السبعة التي سجلتها (بريسيرفانس) بالكامل بتوقيع صوتي لانفجار صوتي صغير جدًا ناتج عن تسخين التفريغ الكهربائي للهواء المحيط به وتوسيعه، أي ما يشبه فرقعة رعدية صغيرة جدًا.


لتأكيد أن هذه التسجيلات بالفعل ناتجة من تفريغات كهربائية صغيرة مشابهة للبرق، استخدم الباحثون نسخة مطابقة لجهاز (سوبركام) هنا على الأرض، وسجلوا تفريغات كهربائية تحاكي نفس نمط التسجيلات التي سجلت على المريخ. والغريب أن وجود تركيز عالٍ من الغبار في الجو لم يكن كافيًا بمفرده لإنتاج الكهرباء.


الغالبية العظمى من الأحداث (54 من أصل 55) حدثت في أثناء أعلى 30% من أقوى الرياح التي سجلتها مركبة (بريسيرفانس) على المريخ خلال فترة الدراسة، وكانت معظمها مرتبطة بجبهات عواصف الغبار. في المقابل، واجهت مركبة (بريسيرفانس) زوابع غبارية مرتين وسجل خلالها 16 تفريغًا كهربائيًا.


استنادًا إلى ستة من سبعة أصوات الرعد المسجلة، كانت معظم التفريغات صغيرة جدًا، تتراوح بين 0.1 إلى 150 نانو جول فقط. أما الحدث الصوتي السابع فكان الأكبر بمقدار 40 ملي جول، ويتوافق هذا مع تفريغ كهربائي من المركبة على الأرض، على الأرجح مرتبط بتراكم شحنات نتيجة احتكاك الجسيمات بجسم (بريسيرفانس) نفسه.


للمقارنة، تفرغ صاعقة سحاب أرضية متوسطة مليار جول من الطاقة تقريبًا، فالبرق على المريخ يختلف كثيرًا عن البرق على الأرض، لكنه موجود وهذا يحمل بعض الآثار المثيرة للاهتمام.


من الأمور الواضحة أنه قد يساعد على توجيه تصميم تقنيات استكشاف المريخ المستقبلية لحمايتها من التفريغات الكهربائية التي نعرف الآن أنها تحدث، وكما فعل علماء الكواكب لنمذجة كوكب الأرض في عمره المبكر، بوسعهم الآن نمذجة التفاعلات الكيميائية في غلاف المريخ الجوي –التي تتوسطها التفريغات الكهربائية- بدقة أكبر.


وعلى مستوى أكثر تكهنًا، ترى بعض النظريات الحالية حول نشوء الحياة على الأرض أن البرق وسيلة لتوصيل المكونات اللازمة التي تحفز تجمع الجزيئات لتصبح بيولوجية. وإذا وُجد البرق على المريخ، بوسع علماء الحياة خارج الأرض أن يأخذوا ذلك في الحسبان عند تقدير احتمالية وجود الحياة هناك أيضًا.


خلص تشايد وزملاؤه إلى القول: «تفتح هذه الدراسة مجالًا بارزًا للتحقيق في غلاف المريخ الجوي، وتحفز تطوير نماذج جوية جديدة تأخذ في الحسبان الظواهر الكهربائية ونتائجها في الغلاف الجوي للمريخ».

 



المصادر:


الكاتب

أمير المريمي

أمير المريمي
تدقيق

محمد حسان عجك

محمد حسان عجك
ترجمة

أمير المريمي

أمير المريمي
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة