هل يمتلك الذكاء الاصطناعي وعيًا مثل البشر؟ وكيف سنعرف ذلك؟

12 مارس 2026
14 مشاهدة
0 اعجاب

هل يمتلك الذكاء الاصطناعي وعيًا مثل البشر؟ وكيف سنعرف ذلك؟


 

هل يمكننا فعلًا أن نعرف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمتلك وعيًا أم لا؟


المسألة في جوهرها واضحة: نحن لا نملك فهمًا حاسمًا لطبيعة الوعي حتى لدى الحيوانات، فكيف يمكننا إذن أن نحدد وجودها في الآلات؟


إذا كان سؤال قد اكتسب أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة، فهو: «هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي واعيًا يومًا ما؟»، عبّر علماء وخبراء تقنيون ومسؤولون حكوميون عن آرائهم في هذا الشأن، مؤكدين ضرورة التعامل معه بجدية، لأن الأمر قد يقتضي اتخاذ خطوات للحد من ظهور وعي اصطناعي أو لتنظيمه. طرح أحد الباحثين اعتراضًا أساسيًا: حتى وإن أصبح الذكاء الاصطناعي واعيًا، فهل بوسعنا معرفة ذلك؟


في السابق كان هذا السؤال يُطرح غالبًا في سياق الخيال العلمي، لكنه خلال السنوات الأخيرة تحول إلى مسألة عملية ينظر إليها على أنها وشيكة.


تزخر الأدبيات الأكاديمية بدراسات تبحث هذا الاحتمال، وتتحدث هيئات حكومية مباشرة عن تدابير قد تكون ضرورية لكبح تطوره، ومع التغطية الإعلامية المتكررة بدأ الجمهور ينظر إلى احتمال وعي الذكاء الاصطناعي بوصفه تهديدًا وجوديًا محتملًا، وليس من الصعب فهم كيف وصلنا إلى هذه المرحلة.


إذ أدى التقدم في علوم الحاسوب إلى تحسين أداء أدوات الذكاء الاصطناعي بدرجة باتت تقترب من طمس الفاصل بين برنامج حاسوبي وكيان مفكر، مثلًا تستطيع النماذج اللغوية الضخمة مثل شات جي بي تي أن تبدو أحيانًا وكأنها واعية إلى حد يدفع بعض الناس إلى تكوين روابط عاطفية معها، بل ذهب بعضهم إلى حد القول بوجود «كيانات» مميزة كامنة في الشيفرة.


مع ذلك ورغم قدرتها الواسعة على محاكاة الوعي، فإن الرأي الغالب يرى أنها ليست سوى محاكاة.


تتزايد الدعوات إلى وضع اختبارات صارمة لقياس أو كشف الوعي الاصطناعي، وفي الوقت ذاته أحرز العلم تقدمًا ملحوظًا في تطوير أدوات لقياس الوعي، ما عزز الاعتقاد بأن مسألة الوعي -سواء لدى الأنواع غير البشرية أو لدى الآلات- يمكن حسمها بالبحث التجريبي العلمي، لا بالحدس أو التخمين.


لكن ما الذي يعتقده العلماء حاليًا؟ الآراء متباينة بوضوح، فمن جهة يرى مؤيدو الذكاء الاصطناعي أن النوع المناسب منه قد يحقق الوعي، لأنهم يعتبرون أن الوعي ليس سوى أنماط «برمجية» -حتى في الأدمغة حيث تتجسد البرمجيات داخل مادة بيولوجية- فإذا أمكن بناء الحسابات الصحيحة، أمكن إنشاء الوعي.


من جهة أخرى يرى المشككون أن الوعي يتكون من «مادة» بيولوجية كالكيمياء العصبية والخلايا العصبية، وأن غياب هذه المادة العضوية يمنع تحقق وعي حقيقي، مهما بلغ النظام الاصطناعي من تطور.


غير أن الفيلسوف توم ماكليلاند من كامبردج يرى أن كلا الموقفين لا يقدم جوابًا حاسمًا.


في ورقة بحثية عام 2024، أشار إلى أنه لإثبات الادعاء العلمي بأن الذكاء الاصطناعي واع نحتاج دليلًا قويًا، في حين أننا لا نملك حاليًا أي دليل قاطع يؤيد ذلك أو ينفيه، يرجع هذا في رأيه إلى أننا لا نفهم الوعي نفسه حتى لدى البشر، لدينا نظريات حول كيفية عمل الدماغ البشري لكننا نفتقر إلى «نظرية عميقة» تفسر لماذا تنتج أدمغتنا ذاتًا ذاتية واعية، ومن دون معرفة ما الذي يسبب الوعي لدى البشر، كيف لنا أن نحدد وجوده في آلة؟


يرى ماكليلاند أن مؤيدي الذكاء الاصطناعي ومشككيه كلاهما يعتمد التخمين، وأن الموقف المعقول الوحيد هو أننا لا ندري.


كتب قائلًا: «من دون تفسير عميق للوعي، فإن الجهود الرامية إلى تقييم احتمال وجود وعي اصطناعي تصطدم بجدارٍ إبستمولوجي. والمقاربات السائدة لمسألة الوعي الاصطناعي، سواء كانت مؤيدة له أم متشككة فيه، تقفز فوق هذا الجدار، وبذلك تُقوِّض المبدأ القائم على الأدلة الذي تزعم الدفاع عنه».


«إن الادعاءات الواسعة النطاق بتقديم اختبارات قائمة على العلم للوعي الاصطناعي هي ادعاءات مبالغ فيها».


بحسب ماكليلاند فإن جهلنا بطبيعة الوعي له آثار أوسع، فهو يخلق معضلة أخلاقية فريدة تتعلق بالتطورات المستقبلية، وترتبط هذه المشكلة أساسًا بالعلاقة بين الوعي والإحساس.


مثلًا، يمكن القول إن سيارة ذاتية القيادة تمتلك شكلًا من الوعي لأنها تدرك العالم من حولها بالنسبة إلى نفسها، وإن لم تكن لديها أفكار حول وجهتها، وإذا صنفنا ذلك بأنه «وعي» فهو وعي محدود للغاية ولا يستدعي قلقًا أخلاقيًا كبيرًا.


أما إذا كان كيان ما يمتلك «الإحساس» أي القدرة على الشعور باللذة أو الألم، فإنه يدخل ضمن مجالنا الأخلاقي لأنه قادر على المعاناة. بالاستمرار في مثال السيارة، قد نعترف بوجود شكل من الوعي الميكانيكي، لكن من المبالغ فيه اعتبارها كائنًا حساسًا، ومن دون الإحساس تظل الآلة -مهما بلغت درجة ذكائها- مجرد شيء أو جماد.


لما كنا لا نعرف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق الوعي، فإننا نواجه أيضًا مسألة ما إذا كان يمتلك الإحساس، فإذا كان كذلك فقد نعرضه لمعاناة عبر ما يمكن تسميته القسوة الرقمية، أي معاملته كـ«شيء» وهو في الواقع أشبه بالعبد، أما إذا افترضنا خطأً أن الذكاء الاصطناعي واع ومن ثم حساس، بينما هو مجرد محاكاة ذكية، فقد نمنحه تعاطفًا لا يستحقه.


يميل البشر للانجذاب إلى القصص المقنعة، وقد تجد شركات التكنولوجيا في الغموض المحيط بوعي الذكاء الاصطناعي فرصة لترويج الجيل القادم من منتجاتها، غير أن ذلك يضعنا في موقف نخصص فيه مواردنا التعاطفية لشيء غير مناسب -آلة- بينما نهمل كائنات نعلم أنها حساسة مثل الحيوانات.


«إذا صنعنا عن غير قصد ذكاءً اصطناعيًا واعيًا أو حساسًا، فعلينا أن نحرص على تجنب إيذائه، لكن معاملة ما هو في الواقع مجرد محمصة خبز على أنه واع، في حين توجد كائنات واعية حقيقية نلحق بها الأذى على نطاق هائل، يبدو أيضًا خطأً كبيرًا».


«تشير مجموعة متزايدة من الأدلة إلى أن الروبيان قد يكون قادرًا على المعاناة، ومع ذلك نقتل نحو نصف تريليون روبيان كل عام، إن اختبار الوعي لدى الروبيان أمر صعب، لكنه ليس قريبًا من صعوبة اختبار الوعي لدى الذكاء الاصطناعي».


«إذا كان لديك ارتباط عاطفي بشيء على أساس أنه واع ثم يتبين أنه ليس كذلك، فإن لذلك آثارًا قد تكون وجودية وسامة، ومن المؤكد أن هذا يتفاقم بسبب الخطاب المبالغ فيه الذي تضخه صناعة التكنولوجيا».



المصادر:


الكاتب

رزان الهزاز

رزان الهزاز
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
مراجعة

براءة ذويب

براءة ذويب



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة