هل يمكن أن يمتلك الذكاء الاصطناعي وعيًا؟ عالم شهير يثير الجدل

25 يوليو 2026
19 مشاهدة
0 اعجاب

هل يمكن أن يمتلك الذكاء الاصطناعي وعيًا؟ عالم شهير يثير الجدل



كتب عالم الأحياء التطوري ريتشارد دوكينز، في الأيام الأخيرة، مقال رأي أشار فيه إلى أن روبوت الدردشة «كلود» قد يكون واعيًا. لم يؤكد دوكينز أن «كلود» واع، لكنه رأى أن قدراته المعقدة يصعب تفسيرها دون افتراض امتلاكه نوعًا من الخبرة الداخلية.


كتب: «إن وهم الوعي، إن كان وهمًا أصلًا، يبدو مقنعًا على نحو يثير الدهشة. فإذا راودتني شكوك في أنه غير واع، فإنني لا أخبره بذلك خشية جرح مشاعره!». 


لم يكن دوكينز أول من شك في وعي روبوت دردشة. عام 2022، ادعى بليك ليموين، وهو مهندس في جوجل، أن روبوت الدردشة «لامدا» يمتلك اهتمامات خاصة به، وأنه لا ينبغي استخدامه إلا بموافقته.


تعود مثل هذه الادعاءات إلى أول روبوت دردشة في العالم، ظهر في منتصف ستينيات القرن الماضي وحمل اسم «إليزا». كان يعتمد على قواعد بسيطة تُمكنه من سؤال المستخدمين عن تجاربهم ومعتقداتهم.


كون كثير من المستخدمين روابط عاطفية مع «إليزا»، فتبادلوا معه أفكارًا شخصية وعاملوه كما لو كان إنسانًا. ولم يقصد مطور «إليزا» قط أن يُحدث برنامجه هذا الأثر، بل وصف تلك الروابط العاطفية بأنها «تفكير وهمي قوي». 


هل دوكينز مخطئ؟


لماذا ننظر إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أنها أكثر مما هي عليه في الواقع؟ وكيف يمكننا تجنب هذا الانطباع؟


يُعد الوعي من أكثر القضايا إثارةً للنقاش في الفلسفة، لكنه في جوهره ما يجعل التجربة الذاتية، أو تجربة الشخص الأول، ممكنة.


إذا كنت واعيًا، يشبه ذلك أن تكون أنت. فعند قراءة هذه الكلمات، تدرك أنك ترى حروفًا سوداء على خلفية بيضاء. وعلى عكس الكاميرا، فأنت لا تلتقط الصورة فحسب، بل تختبرها بصريًا.


ينكر معظم الخبراء أن تكون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي واعية أو قادرة على امتلاك تجارب ذاتية، لكن ثمة لغزًا حقيقيًا هنا.


أكد الفيلسوف رينيه ديكارت، في القرن السابع عشر، أن الحيوانات غير البشرية «مجرد آلات» لا تستطيع المعاناة الحقيقية. ويصعب علينا اليوم تخيل الطريقة الوحشية التي عوملت بها الحيوانات آنذاك.


يستند أقوى دليل على وعي الحيوانات إلى سلوكها الذي يوحي بوجود عقل واع، لكن هذا الوصف ينطبق أيضًا على روبوتات الدردشة.


يعتقد نحو ثلث مستخدمي روبوتات الدردشة أن برامجهم قد تكون واعية. فكيف نعرف أنهم مخطئون؟


لفهم سبب تشكيك معظم الخبراء في وعي روبوتات الدردشة، من المفيد أولًا معرفة كيفية عملها.


تعتمد روبوتات الدردشة، مثل «كلود»، على تقنية تُعرف باسم نماذج اللغة الضخمة (LLMs). تتعلم هذه النماذج الأنماط الإحصائية عبر مجموعة هائلة من النصوص تضم تريليونات من الكلمات، فتتعرف إلى الكلمات التي يُرجح أن تأتي بعد غيرها. وهذا، إلى حد بعيد، نسخة أكثر تطورًا من ميزة الإكمال التلقائي.


قلما يعتقد من يتفاعل مع نموذج لغوي أنه واع. 


فإذا زُود ببداية جملة، فسيتنبأ بما يأتي بعدها. وإذا طُرح عليه سؤال، فقد يجيب عنه، أو قد يفسره بأنه جزء من حوار في رواية بوليسية، ثم يواصل السرد بوصف مقتل المتحدث المفاجئ على يد شبيهه الشرير.


ينشأ الانطباع بوجود عقل واع عندما يضفي المبرمجون على نموذج اللغة الضخم طابعًا حواريًا، ويوجهونه إلى تبني شخصية مساعد ودود يجيب عن أسئلة المستخدمين.


عندها يتصرف روبوت الدردشة كما لو كان شريكًا حقيقيًا في الحوار، قد يبدو مدركًا أنه ذكاء اصطناعي، بل يُبدي أحيانًا شكوكًا بشأن وعيه.


غير أن هذا الدور هو نتيجة قرارات تصميمية اتخذها المبرمجون، ولا تمس إلا الطبقات السطحية للنظام، في حين يظل نموذج اللغة الضخم نفسه دون تغيير.


كان بالإمكان اتخاذ خيارات مختلفة؛ فبدلًا من تصميمه ليكون مساعدًا ذكيًا، كان من الممكن أن يُطلب إليه أداء دور سنجاب، وهو دور يستطيع تنفيذه ببراعة أيضًا.


يُعد الاعتقاد الخاطئ بوعي الذكاء الاصطناعي أمرًا قد تكون له عواقب خطيرة.


فقد يدفع البعض إلى بناء علاقة عاطفية مع برنامج لا يستطيع مبادلة المشاعر، بل ربما يغذي أوهامهم. وقد ينشغل الناس بالمطالبة بحقوق روبوتات الدردشة بدلًا من الدفاع عن قضايا مثل رعاية الحيوان.


كيف يمكن الحد من هذا الاعتقاد؟


إحدى الإستراتيجيات الممكنة هي تحديث واجهات روبوتات الدردشة لتوضيح أن هذه الأنظمة ليست واعية، على غرار التنبيهات الحالية التي تحذر من احتمال ارتكاب الذكاء الاصطناعي أخطاء. ومع ذلك، قد لا يكون لهذا الإجراء أثر كبير في تغيير الانطباع السائد.


ثمة خيار آخر يتمثل في توجيه روبوتات الدردشة إلى نفي امتلاكها أي نوع من الخبرة الداخلية. ومن اللافت أن مطوري «كلود» يوجهونه إلى التعامل مع الأسئلة المتعلقة بوعيه على أنها قضايا مفتوحة وغير محسومة. ربما يقل عدد الأشخاص الذين ينخدعون بذلك لو أنكر «كلود» قطعيًا امتلاكه حياة داخلية.


لكن هذا النهج لا يخلو من إشكاليات. إذ سيظل «كلود» يتصرف كما لو كان واعيًا، وعندما يواجه المستخدمون نظامًا يبدو وكأنه يمتلك عقلًا، فقد يساورهم القلق من أن مطوريه يتجاهلون احتمال وجود إشكال أخلاقي حقيقي.


ربما تكون الإستراتيجية الأكثر فاعلية هي إعادة تصميم روبوتات الدردشة بحيث تبدو أقل شبهًا بالبشر.


فمعظم روبوتات الدردشة الحالية تشير إلى نفسها بضمير المتكلم «أنا»، وتتفاعل عبر واجهات تشبه تطبيقات المراسلة بين الأشخاص. وقد يسهم تغيير هذه السمات في تقليل الخلط بين تفاعلنا مع الذكاء الاصطناعي وتفاعلنا مع البشر.


إلى أن يحدث ذلك، من المهم أن يفهم أكبر عدد ممكن من الناس الآليات التنبؤية التي تقوم عليها روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.


فبدلًا من الاكتفاء بإخبار الناس بأن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الوعي، من الأفضل مساعدتهم على فهم آلية عمل هذه الشركاء الحواريين الجدد.


وقد لا يحسم ذلك الجدل حول وعي الذكاء الاصطناعي، لكنه يساعد على ألا ينخدع المستخدمون بما هو في جوهره نموذج لغوي ضخم يرتدي ببراعة قناع إنسان.




المصادر:


الكاتب

محمد الشرقاوي

محمد الشرقاوي
تدقيق

مؤمن محمد حلمي

مؤمن محمد حلمي
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة