اكتشفت دراسة جديدة توهجات شمسية أقوى بعشرة ملايين مرة من أي توهجات مماثلة نعايشها الآن؛ إذ نشأت من شمس فتية شديدة النشاط، من المحتمل أنها أسست العناصر الأساسية لوجود الحياة على الأرض.

وجد العلماء أن الرياح الشمسية التي تحمل جسيمات مشحونة عند اصطدامها بمزيج من الغازات الموجودة في الغلاف الجوي في أزمان مبكرة من عمر الأرض، كونت كميات كبيرة من الأحماض الأمينية والأحماض الكربوكسيلية، التي تعد العماد الأساس في تركيب البروتينات وأشكال الحياة العضوية جميعها.

حار العلماء بشأن الظروف التي أدت إلى نشوء الحياة على الأرض منذ مطلع القرن التاسع عشر، عندما اعتقدوا أن الحياة قد بدأت –إن صح القول- بحساء كيميائي بدائي يدعى (البركة الصغيرة الدافئة).

وفقًا للتجارب التي أجريت في خمسينيات القرن الماضي، أشارت إلى أنه عند تعريض مزيج غازي من الميثان والأمونيا والماء والهيدروجين الجزيئي للبرق الاصطناعي، يتكون 20 نوعًا من الأحماض الأمينية المختلفة.

لكن ذاك التصور لم يكن بهذه البساطة، فبعد سنوات عدة تلت تلك الدراسة، وجد العلماء أن الغلاف الجوي المبكر للأرض كان يحتوي على كميات أقل من الأمونيا والميثان مما كان يُعتَقَد سابقًا، إضافة إلى احتوائه على كميات أكبر من ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين الجزيئي، وكلاهما غازان يستهلكان طاقة أكبر بكثير للتفكك لا يستطيع توفيرها البرق وحده.

نُشرت دراسة جديدة في مجلة لايف في 28 أبريل في عام 2023، استعمل فيها مُسرع الجسيمات لمعرفة ما إذا كانت الأشعة الكونية الناتجة عن التوهجات الشمسية للكواكب فائقة النشاط باستطاعتها توفير الانطلاق الضروري للحياة على الأرض.

أكد المؤلف الرئيسي للدراسة، وأستاذ الكيمياء في جامعة يوكوهاما الوطنية في اليابان، كينسي كوباياشي، في بيان قال فيه: «يتجاهل معظم الباحثين الأشعة الكونية الصادرة من المجرات لأنها تتطلب معدات متخصصة، مثل مسرعات الجسيمات، فقد كنت محظوظًا للغاية لقدرتي على الوصول إلى مسرعات عدة موجودة بالقرب من منشآتنا».

تُولِّد النجوم مجالات مغناطيسية قوية، يُعزى ذلك بسبب تدفق الشحنات الكهربائية في البلازما المنصهرة التي تمتد خلال أسطحها وتحتها. فمن حين لآخر، تتشابك خطوط المجال المغناطيسي في أماكن وتتعقد في بعض الأماكن الأخرى، ثم تنفجر فجأة مطلقًة طاقة على هيئة تدفقات من الإشعاع تسمى التوهجات الشمسية، إضافة إلى مقذوفات متفجرة من المواد الشمسية تسمى انبعاثات الكتلة الإكليلية CMEs.

تصطدم المادة الشمسية -التي تتكون أساسًا من إلكترونات وبروتونات وجسيمات ألفا- بعنف في المجال المغناطيسي للأرض، وتؤدي إلى إطلاق عاصفة مغناطيسية أرضية، ما يثير بعض الجزيئات في غلافنا الجوي، فيتكون الشفق القطبي الملون.

يُعد حدث كارينغتون في عام 1859 من كبرى العواصف الشمسية في التاريخ الحديث؛ إذ أُطلقت طاقة تعادل طاقة ما يقرب من عشرة مليارات قنبلة ذرية تعادل قوة الواحدة منها 1 ميغا طن، ولكن حتى هذا الحدث لا يعد شيئًا مقارنة بقوة التوهج الفائق الذي قد تكون طاقته أكثر نشاطًا بمئات المرات في أي مكان آخر.

تتدفق التوهجات الفائقة من هذا النوع عادًة مرة نحو كل مئة عام، لكن ربما لم يكن هذا هو الحال في الماضي السحيق؛ إذ إنه من خلال ملاحظة البيانات المأخوذة عن بعثة كيبلر التابعة لوكالة ناسا، التي جمعت بين عامي 2009 و2018 معلومات عن الكواكب الشبيهة بالأرض ونجومها، أظهرت دراسة أجريت في عام 2016 في مجلة نيتشر جيوساينس، أنه خلال أول مئة مليون سنة من عمر كوكب الأرض، كانت قوة سطوع الشمس أكثر خفوتًا بنسبة 30٪، وعلى الرغم من ذلك كانت تتدفق التوهجات الفائقة من سطحها كل ثلاثة إلى عشرة أيام.

أراد الباحثون في دراستهم الجديدة معرفة دور التوهجات الفائقة المحتمل في تكوين الأحماض الأمينية في بدايات نشأة الأرض، فدمجوا ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين الجزيئي والماء وكمية متفاوتة من الميثان مكونين بذلك خليطًا توقعوا وجوده في الغلاف الجوي في طور تكونه المبكر. بعد ذلك أجروا تجربتين مختلفتين؛ في التجربة الأولى أطلقوا غازات مختلطة بالبروتونات باستخدام مسرع جسيمات صغير (المسرع الترادفي)، وفي التجربة الثانية أشعلوا خليط غازات بتوليد برق اصطناعي، وبذلك أطلق العلماء الشرارة الأولى لإنتاج الأحماض الأمينية والأحماض الكربوكسيلية، وكلاهما من المتطلبات الكيميائية المهمة للحياة.

بحسب الدراسة كلما زاد الباحثون من مستويات الميثان، ازدادت كمية الأحماض الأمينية والأحماض الكربوكسيلية الناتجة عن كلا التجربتين (البروتونات والصواعق)، لكن وجدوا أنه لإنتاجها بمستويات يمكن قياسها يحتاج خليط البروتونات في التجربة الأولى إلى تركيز 0.5% من الميثان، في حين أن التجربة الثانية التي استعملوا فيها البرق الاصطناعي احتاجوا إلى 15% من الميثان.

قال عالم الفيزياء الفلكية في مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا فلاديمير إيرابيتيان: «حتى عند وجود الميثان بتركيز 15%، فإن معدل إنتاج الأحماض الأمينية من خلال توليد البرق يكون أقل بمليون مرة من معدله باستعمال البروتونات، ففي أثناء توفر ظروف باردة، لم يكن البرق موجودًا مطلقًا، وكانت الأرض في بداياتها تتعرض لأشعة شمس خافتة على نحوٍ ملحوظ. هذا لا يعني أنه لا يمكن أن يكون البرق مصدر الأحماض الأمينية فقط، لكن يبدو أنه باستطاعتنا القول إن الاحتمالية الكبرى الآن ترجح أنها بسبب الجزيئات الشمسية».

اقرأ أيضًا:

التعرف على أحد الببتيدات التي ربما كان لها دور في بدء الحياة على الأرض

البحث في كيفية نشوء الحياة على سطح الأرض قد يساعدنا في إيجاد حياة خارجها

ترجمة: عمرو أحمد

تدقيق: ريمي سليمان

المصدر