يشعر البعض بالوحدة والانفصال عن الآخرين والعالم من حولهم، ولكن يجب عليهم التذكر أنهم ليسوا وحدهم، وقضاء بعض الوقت في الطبيعة قد يساعد في تخفيف الوحدة.

يصف تحليل تلوي حديثًا عن الوحدة والانفصال الاجتماعي أُجري عبر 113 دولة مشكلة الوحدة على أنها أزمة صحية عامة، إذ يتراوح انتشار الوحدة نحو 2 إلى 24% وفقًا إلى تحليل وفق العمر والموقع.

يرتبط الشعور بالوحدة بتركيز الشخص كثيرًا على نفسه بدل التركيز على الآخرين. لكن قد أُثبت أن الشعور بالارتباط بالآخرين، والعمل على مساعدة من حولنا يُحسن من الصحة النفسية ويزيد الشعور بالسعادة.

قد تبدو هذه أخبارًا سيئة إن كان الشخص يشعر بانفصال وصعوبة في التواصل مع الآخرين، ولكن تُشير الأبحاث الحديثة المنشورة في مجلة Environmental Psychology إلى طريقة بسيطة لنقل الأفكار والمشاعر بعيدًا عن الوحدة وعن الآخرين والعالم من حولنا، وهي: قضاء بعض الوقت في الطبيعة.

يُظهر هذا البحث الجديد بواسطة دراستين بقيادة كاثرين شيرتز، أنه عند انخراط الأشخاص في مساحات طبيعية أكثر كان لذلك أثرًا في تخفيف تفكير الفرد بنفسه وبدوافعه الذاتية، وبدلاً من ذلك، شعروا بإحساس أكبر بالارتباط والتفكير أكثر في بيئاتهم المادية والاجتماعية.

قد توفر الطبيعة تركيزًا يحتاج الأشخاص إليه:

في إحدى الدراسات، مشى 86 شخصًا مدة 60 دقيقة في كل المساحات الطبيعية الواسعة في شيكاغو، وفي أيام أخرى مشوا في مركز التسوق، وطُلب منهم الرد على سلسلة من الاستطلاعات في أوقات مختلفة عبر جولات المشي.

استفسرت بعض الاستطلاعات عن محتوى الأفكار الحالية للمشاركين، مثل:

هل كانت أفكارك في الأغلب عن نفسك، أم عن الآخرين؟ أوعن نفسك والآخرين معًا؟، أو أن أفكارك لا تتعلق بالناس؟

تساءلت أسئلة أخرى عن مدى شعورهم بالتواصل مع الآخرين أو البيئة من حولهم.

لم تجد نتائج هذه الدراسة الأولى اختلافات في الأفكار أو الترابط في الأساس (أي قبل بدء المشي). ولكن في أثناء المشي في الطبيعة مقارنةً مع المشي المركز التجاري؛ أبلغ المشاركون أنه عند المشي في الطبيعة كان عدد الأفكار التي تركز على الذات أقل، والمزيد من الأفكار عن أنفسهم مع الآخرين، والمزيد من الارتباط بالبيئة المادية والاجتماعية حولهم. ما يدل على أن المشي في بيئة طبيعية أدى باستمرار إلى تقليل التفكير في الذات وزيادة التواصل مع الآخرين والعالم من حولهم.

قدمت نتائج هذه التجربة دليلًا مقنعًا على ارتباط الوقت الذي يقضيه الأشخاص في الطبيعة بالتفكير وعلاقته بزيادة الارتباط مع الآخرين، ولكن عبر التركيز على بيئتين داخليتين محددتين في شيكاغو، لم يكن من الواضح تمامًا إذا كانت هذه النتائج ستعمم على أنواع أخرى من البيئات.

لحل مسألة التعميم هذه، حللت شيرتز البيانات التي جُمعت بوصفها جزءًا من مشروع أكبر عبر التجارب اليومية لسكان شيكاغو في بيئاتهم.

زيارة الحديقة قد تجعلنا نشعر بأننا أكثر ارتباطًا بالآخرين

تضمنت الدراسة الثانية 303 مشاركين متنوعين ديموغرافيًا (في العمر والجنس والعرق) والمستوى الجغرافي (من الأحياء في جميع أنحاء شيكاغو).

ملأ المشاركون استطلاعات الرأي على هواتفهم في أثناء زيارة المئات من المتنزهات المختلفة في المدينة. أجابوا أسئلة عن المتنزه نفسه، مثل:

  • كيف يرون الطبيعة به؟
  • كيف يشعرون في الوقت الحالي؟
  • ما مدى اتصالك بالأشخاص الآخرين من حولك؟
  • ما مدى ارتباطك بالبيئة المادية من حولك؟

وبالتشابه مع نتائج الدراسة الأولى؛ أفاد المشاركون بأنهم أكثر ارتباطًا بالآخرين ومع محيطهم المادي في أثناء تواجدهم في الحدائق التي صُنفت على أنها أكثر طبيعية (مليئة بأشجار أكثر). إضافةً إلى الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المواقع التي دُرست، فإن هذه المساحات الطبيعية تختلف اختلافًا كبيرًا في مدى غناها بالأشجار والنباتات، ما يدل على أن الطبيعة قد تكون عنصرًا حاسمًا في تسهيل الترابط مع العالم والأشخاص من حولنا.

قد تلقي هذه النتائج الضوء على فائدة أخرى معروفة لقضاء الوقت في الطبيعة، وقد ثبت أن الطبيعة تزيد من المشاعر والسلوكيات الاجتماعية الإيجابية (مثل التبرع بالمال أو الشعور بالقلق تجاه الآخرين) والانخراط في سلوكيات الحفظ، ولا سيما عند الأشخاص الذين يشعرون بالرهبة والخوف الاجتماعي. ولكن قد لا يتمكن الجميع من الوصول إلى المساحات الطبيعية المذهلة.

يقترح عمل شيرتز طريقة أخرى قد تؤدي بها الطبيعة إلى مساعدة الآخرين والمشاركة في الحفاظ على البيئة؛ بالتفكير بالآخرين والاهتمام برغباتهم وآرائهم.

إضافةً إلى أن قضاء الوقت في الطبيعة يوفر لنا تفسيرًا علميًا محتملاً لماذا تثير الطبيعة فينا رغبة مساعدة الآخرين، فإنها تشير أيضًا إلى أننا لسنا بحاجة إلى رؤية مشهد خلاب يحبس الأنفاس لتحويل التركيز من أنفسنا إلى الآخرين. في الواقع، يبدو أن التواجد في حديقة مدينة طبيعية كافيًا جدًا.

فوائد الشعور بالتواصل مع البيئة المادية والاجتماعية:

إن لقضاء الوقت في الطبيعة أثرًا إيجابيًا كبيرًا عند الأفراد والأشخاص من حولهم. إذ يولد التصرف بصورة إيجابية مشاعر جميلة وقد يقلل من الشعور بالوحدة. مع أن بعض أنواع التفكير الذاتي قد تكون مفيدةً للتأمل والنمو، ولكن التركيز المفرط على الذات والتعرف على المشاعر السلبية قد يؤدي إلى أفكار غير صحية. إضافةً إلى ذلك، يرتبط الشعور بالارتباط بالطبيعة بمجموعة متنوعة من الفوائد النفسية، مثل زيادة السعادة والرفاهية الذاتية.

بعبارة أخرى، فإن التواصل والتفكير في الآخرين والعالم الطبيعي من حولنا لديه فوائد كثيرة واضحة تجعلنا نحن والآخرين أكثر سعادة. مع أن وجود حاجة إلى مزيد من العمل لربط علاقة الأفكار التي تركز على الآخر بزيادة التواصل الإيجابي الاجتماعي، فإن هذه النتائج تقدم دليلًا على فائدة أخرى للطبيعة وأثرها في الرفاهية والصحة النفسية.

اقرأ أيضًا:

لماذا نحب الخروج إلى الطبيعة والهواء الطلق؟ جزء من الإجابة يكمن في جيناتنا

الطبيعة دواء لكل داء حتى الأمراض النفسية

ترجمة: فاطمة الرقماني

تدقيق: ميرڤت الضاهر

المصدر