اكتشف العلماء منذ الثمانينيات أن بعض البروتينات تتصرف مثل الكائنات المُمرضة عند حدوث خطأ في عملية طويها، وهذا النوع من البروتينات المعيبة يسمى «البريون»، وهو قادر على نسخ نفسه وإتلاف نسيج الدماغ، ما يسبب بدوره أمراضًا دماغيةً معينة مثل مرض جنون البقر ونظيره البشري المعروف بمرض كروتزفيلد جاكوب.

أشارت بعض الدراسات اللافتة للنظر على مدى العقود الأخيرة إلى أن الخرف قد يتضمن آليةً مشابهة للبريون.

يعد مرض ألزهايمر أكثر أنواع الخرف شيوعًا، ووُجد أن تجمعات بروتين بيتا النشواني الموجودة في أدمغة المصابين بالمرض قد تتصرف مثل البريون وتنتقل إلى أشخاص آخرين تحت ظروف نادرة في أثناء العمليات الجراحية.

لا تنتقل الأمراض التي يسببها البريون عبر الاتصال المباشر بين البشر، لكن بإمكان البريون الانتقال من الأبقار المصابة إلى البشر بواسطة تناول لحم ملوث بها، إضافةً إلى أن مرض التنكس العصبي «كورو» الذي ينجم بدوره عن البريون، انتقل سابقًا في بابوا غينيا الجديدة بواسطة طقوس تناول أدمغة الأقرباء الميتين.

يقول الباحثون: «إذا كان ألزهايمر قادرًا أيضًا على الانتقال عبر بروتين معيب، فإنه لا يمكن أن ينتقل بمجرد مخالطة شخص مصاب به».

لكن أثارت بعض الحالات التاريخية وعدة دراسات حيوانية القلق بشأن إمكانية إصابة الأشخاص السليمين ببروتينات مرض ألزهايمر في أثناء الجراحات العصبية عند استخدام الأدوات ذاتها التي استخدمت على مرضى آخرين.

فضلًا عن ذلك، قد يتعرض الأشخاص إلى بروتين بيتا النشواني أيضًا عند تلقيهم زرعة نسيجية من شخص مصاب، بيد أن التأثير في الحالتين لا يُلاحظ إلا بعد مرور عقود على العملية؛ نظرًا إلى أن هذه البروتينات تتطلب وقتًا طويلًا للتناسخ.

انتشرت بوادر هذه الفكرة في عام 2006 بعد أن أخذ الباحثون عينات نسيج دماغي من أشخاص توفوا بسبب الخرف، وزرعوها في أدمغة فئران معدلة وراثيًا. أصيبت هذه الفئران لاحقًا بلويحات بروتين بيتا النشواني المعروفة لدى مرضى ألزهايمر، في حين لم ينتقل البروتين إلى مجموعة الشواهد.

لاحظ الباحثون في هذه التجربة أن معدل تطور اللويحات كان متكافئًا مع كمية بروتين بيتا النشواني الموجودة في العينة والوقت الذي استغرقته في الحاضنة.

هذه هي الأنماط المتوقع رؤيتها في حال كانت اللويحات ناجمة عن الأنسجة المزروعة.

لاحظ الباحثون أن حقن نسخ صناعية من بروتين بيتا النشواني في أدمغة الفئران، تسبب بتأثير مشابه غير أنه كان أضعف. لكن مع ذلك لم ينتشر مفهوم إمكانية العدوى بالخرف على نطاق كبير إلا في عام 2015.

فحص باحثون في دراسة أخرى صغيرة أنسجةً دماغيةً من ثمانية شبان توفوا بسبب مرض كروتزفيلد جاكوب.

ما يثير الاهتمام أن هؤلاء الأشخاص تلقوا في طفولتهم منذ ما يتراوح بين 30 و40 عامًا عمليات حقن بهرمون نمو مستخلص من الغدة النخامية لدى جثث بشرية لعلاج قصر قامتهم، فانتقل إليهم البروتين المعيب الذي يسبب مرض كروتزفيلد جاكوب دون درايتهم.

كان أربعة أشخاص منهم يعانون أيضًا تراكمًا ملحوظًا من لويحات بروتين بيتا النشواني في أدمغتهم.

يقتصر هذا النوع من اللويحات عادةً على المسنين المصابين بألزهايمر إما في مرحلة متوسطة أو متقدمة من المرض، لذا فقد كان اكتشافًا مفاجئًا لدى هؤلاء الأشخاص الذين توفوا في سن صغيرة.

أثار هذا الاكتشاف احتمالية انتقال بروتين بيتا النشواني إليهم عبر الحقن المستخلصة من الجثث، من ثم تراكم البروتين وأدى إلى تكوّن تكتلات كبيرة في وقت لاحق من حياتهم.

مُنعت حقن هرمون النمو المشتقة من الجثث في عام 1985، وذلك بعد أن أدرك الباحثون أن نسبة بسيطة من الأطفال تلقوا عينات ملوثة وأصيبوا بمرض كروتزفيلد جاكوب.

تعقب الباحثون بعد مرور ثلاثة عقود العينات المحفوظة من الحقن التي استُخدمت في ذلك الوقت، وأكدوا أنها كانت تحتوي على بروتين بيتا النشواني.

حقن الفريق تلك العينات القديمة في أدمغة فئران صغيرة السن، ولاحظوا أنها أدت إلى إصابتها باللويحات النشوانية وحالة نزيف دماغي متعلقة بالنشوانيات تسمى «الاعتلال الوعائي الدماغي النشواني».

وجد باحثون في دراسة أخرى نُشرت في عام 2018 أن ثمانية أشخاص مصابين بالاعتلال الوعائي الدماغي النشواني تحت سن الستين خضعوا في طفولتهم أو مراهقتهم لعملية دماغية.

يقول الباحثون: «ترجح هذه الاكتشافات إمكانية انتقال الأمراض التي يسببها بروتين بيتا النشواني عبر عمليات الجراحة العصبية، على غرار الأمراض التي يسببها البريون».

وقد وجد باحثون من السويد والدنمارك في دراسة سكانية ضخمة في وقت مبكر من هذه السنة أن الأشخاص الذين تلقوا عمليات نقل دم من أشخاص آخرين أصيبوا لاحقًا بنزيف دماغي، كانوا بدورهم أكثر ميلًا إلى الإصابة بنزيف دماغي؛ ما يشير إلى احتمالية أن العامل المسبب للمرض قابل للانتقال عبر عملية نقل الدم.

يثير هذا المجال من البحوث المخاوف بشأن قابلية انتقال الخرف من الأشخاص المسنين إلى الأشخاص الأصغر سنًا عند استخدام الأدوات الجراحية ذاتها؛ ما قد يكون مقلقًا نظرًا إلى أن تقنيات التعقيم الشائعة مثل الغلي والتجفيف والغمر في الفورمالديهايد لا تؤثر على ما يبدو في بروتين بيتا النشواني الذي يتراكم في أدمغة المصابين بمرض ألزهايمر.

بيد أن الجراحات العصبية التي تُجرى على الأطفال غالبًا ما تتم في مستشفى خاص بهم، ما يعني أن الأدوات المستخدمة فيها لم تلمس على الأرجح أي مريض مصاب بألزهايمر.

تتحسن قدرة الباحثين على علاج ألزهايمر مع زيادة فهمهم للمرض، لكن مع ذلك فشلت بعض بحوث بروتين بيتا النشواني التي بدت واعدة في تحقيق نتائج مثمرة، والأدلة ما تزال غير حاسمة.

اقرأ أيضًا:

اكتشاف مرض جديد في الدماغ لدى الأطفال يمكن أن يساعدنا في فهم الخرف

أصغر مصاب بمرض ألزهايمر، مراهق يبلغ من العمر 19 عامًا في الصين!

ما مدى قربنا من لقاح لمرض ألزهايمر؟

واسم بيولوجي ينذر بمرض ألزهايمر قبل ظهور الأعراض بعشر سنوات

ترجمة: رحاب القاضي

تدقيق: جعفر الجزيري

المصدر