حقق علماء الفيزياء رقمًا قياسيًا جديدًا بالحصول على حساء ساخن مكون من 15 تريليون ذرة مترابطة معًا في ظاهرة عجيبة تسمى التشابك الكمي. قد يكون هذا الإنجاز تقدمًا علميًا كبيرًا لتصنيع مستشعرات عالية الدقة لقياس تموجات الزمكان المُسماة الأمواج الثقالية، أو حتى المادة المظلمة المعروفة بصعوبة قياسها والمعتقد أنها تتغلغل في كامل الكون.

التشابك، الظاهرة الكمومية التي اشتهر وصف أينشتاين لها بقوله: «إنه فعل شبحي من بُعد»، هو عملية ربط جسيمات -اثنين أو أكثر- معًا ما يجعل أي تغيير في أحدها يؤثر لحظيًا في الجسيمات الأخرى وإن بعدت المسافة بينها، ويشكل التشابك حاليًا أساس الكثير من التقنيات الصاعدة، مثل الحوسبة الكمومية والتشفير.

تُعرَف حالة التشابك بين الجسيمات بهشاشتها، إذ إن الروابط الكمومية قد تُقطع بسهولة بسبب أدنى اهتزاز داخلي أو تداخل خارجي، ولهذا يحاول العلماء الوصول إلى أدنى درجة حرارة ممكنة في تجاربهم لمشابكة الذرات الهائجة، فكلما قلت درجة الحرارة، قل احتمال تصادم الجسيمات وكسر ترابطها.

في الدراسة الجديدة، اتخذ باحثو معهد العلوم الضوئية في برشلونة نهجًا معاكسًا، فرفعوا حرارة الذرات إلى درجة أكبر بملايين المرات مما تكون عليه عادةً في تجارب التشابك الكمي، ليختبروا إمكانية الحفاظ على التشابك في بيئة ساخنة فوضوية كهذه.

تشابك كمومي لـ15 تريليون ذرة ساخنة - الحصول على حساء ساخن مكون من 15 تريليون ذرة مترابطة معًا في ظاهرة عجيبة تسمى التشابك الكمي

وقالت جيا كونج، المؤلفة الرئيسية للدراسة: «التشابك الكمي أحد أبرز التقنيات الكمومية، لكنه معروف بالهشاشة، ومعظم التقنيات الكمومية المتعلقة بالتشابك الكمي يجب تطبيقها في بيئة منخفضة الحرارة، كما في نظام ذري بارد، وهذا يحد من التطبيقات الممكنة لحالات التشابك، السؤال المثير للاهتمام هنا: هل يقدر التشابك الكمي على البقاء متماسكًا في بيئة ساخنة فوضوية أم لا؟».

الأمور تصبح ساخنة فوضوية

سخن الباحثون أنبوبًا زجاجيًا صغيرًا مليئًا بالروبيديوم المبخر وغاز النيتروجين الخامل إلى درجة 177 درجة مئوية (الدرجة المثالية لخبز البسكويت، يا لها من صدفة!). في درجة الحرارة هذه تكون غيمة ذرات الروبيديوم في حالة من الفوضى، إذ تحدث آلاف التصادمات الذرية كل ثانية، وعندما تتصادم الذرات ترتد -مثل كرات البلياردو- ناقلةً طاقتها ودورانها المغزلي، لكن على عكس البلياردو، لا يعبر الدوران المغزلي للذرات عن حركتها.

في ميكانيكا الكم، يُعَد الدوران المغزلي خاصيةً أساسية للجسيم، تمامًا مثل الكتلة والشحنة الكهربية، تعطي الجسيمات عزمًا مغزليًا، ويمكن تشبيه الدوران المغزلي للجسيم بدوران الأرض حول نفسها في كثير من الجوانب، فلكل منهما عزم زاوي يولد مجالًا مغناطيسيًا ضعيفًا يُسمى العزم المغناطيسي.

لكن في عالم ميكانيكا الكم العجيب تفشل تشبيهات هذه الظواهر، فالنظر إلى جسيمات مثل البروتونات والإلكترونات بأنها أجسام صلبة لها حجم وشكل معين وتدور حول نفسها مفهوم لا يناسب منظور العالم الكمي، وعندما يحاول العلماء قياس الدوران الكمي لجسيم ما، فإن النتيجة تكون إما (فوق) أو (تحت) وليس هناك ما بينهما في ميكانيكا الكم.

لحسن الحظ، يمكّن المجال المغناطيسي الضئيل المتكون من الدوران المغزلي للجسيم العلماء من قياس الدوران المغزلي بطرق مختلفة، يتضمن أحدها ضوءًا مستقطبًا، أو قياس الموجات الكهرومغناطيسية التي تتذبذب في اتجاه واحد.

أطلق الباحثون شعاعًا من الضوء المستقطب نحو الأنبوب المحتوي على ذرات الروبيديوم، ولأن الدوران المغزلي للذرات يتصرف مثل مغناطيسات ضئيلة، يتغير استقطاب الضوء عندما يمر عبر الغاز ويتفاعل مع مجاله المغناطيسي. يخلق هذا التفاعل بين الضوء والذرات تشابكًا كميًا واسع النطاق بين ذرات الغاز، وعندما يقيس الباحثون مقدار التغير الحاصل في استقطاب الموجات الضوئية الخارجة من الطرف الآخر للأنبوب الزجاجي، يستطيعون تحديد الدوران المغزلي الكلي للغاز، ما يمثل التشابك الكمي لكل الذرات التي تبقى في حالة تشابك دائمة.

قالت كونج: «يعتمد القياس الذي استخدمناه على التفاعل بين الضوء والذرة، وتحت ظروف مناسبة، سيسفر التفاعل عن ارتباط بين الضوء والذرات، وعندها إذا حققنا قياسًا صحيحًا، سينتقل هذا التواصل إلى الذرات، ومن ثم يخلق تشابكًا كميًا بينها. المفاجئ هنا أن هذه الاصطدامات العشوائية لم تدمر التشابكات الكمومية».

رسم توضيحي يظهر سحابة من الذرات مع أزواج من الجسيمات المتشابكة، ممثلة بخطوط صفراء/ زرقاء

رسم توضيحي يظهر سحابة من الذرات مع أزواج من الجسيمات المتشابكة، ممثلة بخطوط صفراء/ زرقاء

في الحقيقة، كانت البيئة الساخنة الفوضوية داخل الأنبوب الزجاجي عاملًا مهمًا لنجاح التجربة، إذ كانت الذرات في حالة يسميها علماء الفيزياء بحالة الدوران المنفردة الماكروسكوبية، وهي مجموعة أزواج من الجسيمات متشابكة كموميًا ولها محصلة عزم مغزلي يساوي صفرًا، وفي البداية تنقل الذرات المتشابكة تشابكها لغيرها من طريق التصادمات، في ما يبدو كلعبة الملاحقة بين الأطفال لكن على مستوى كمومي، فتتبادل دورانها المغزلي، لكن تبقى المحصلة الكلية تساوي صفرًا، ما يسمح لحالة التشابك الجماعي أن تستمر مللي ثانية على الأقل، فمثلًا، نفترض أن الجسيم (أ) متشابك مع الجسيم (ب)، وعندما يصطدم الجسيم (ب) بالجسيم (ج)، يتشابك كلا الجسيمين بالجسيم (ج)، وهكذا.

وقالت كونج: «يعني هذا تشابك دفعة جديدة من 15 تريليون ذرة كموميًا ألف مرة في الثانية. إن مللي ثانية وقت طويل للذرات، وكافٍ لحصول 50 تصادمًا عشوائيًا تقريبًا. وهذا يبين لنا بوضوح أن التشابك لا تدمره هذه الأحداث العشوائية، وهذا على الأرجح أكثر نتيجة مفاجئة في الدراسة».

ولأن العلماء يستطيعون فهم الحالة الجماعية فقط للذرات المتشابكة، فإن تطبيق نتائج البحث محدد باستخدامات معينة، فتقنيات مثل أجهزة الحاسوب الكمومية ليست ضمن هذه الاستخدامات، لأن حالة كل ذرة من الذرات المتشابكة يجب أن تكون معلومة لتتمكن من تخزين البيانات وإرسالها.

ومع هذا، قد تساعد النتائج على تطوير مستشعرات فائقة للحقول المغناطيسية، قادرة على قياس حقول مغناطيسية أضعف من الحقل المغناطيسي للأرض بعشرة مليارات ضعف، ولهذه المقاييس المغناطيسية الفائقة تطبيقات كثيرة في شتى المجالات العلمية، فمثلًا يستخدم جهاز تخطيط الدماغ المغناطيسي في دراسة علم الأعصاب لتصوير الدماغ، من طريق استشعار إشارات مغناطيسية باهتة للغاية منبعثة من نشاط الدماغ.

وقال أستاذ الفيزياء المشارك في الدراسة مورجان ميتشيل: «نأمل أن تقود هذه الحالة الضخمة من التشابك الكمي إلى ابتكار مستشعرات بأداء أفضل، لتطبيقات تتراوح من التصوير الدماغي إلى السيارات ذاتية القيادة والبحث عن المادة المظلمة».

اقرأ أيضًا:

إن كنت تظن أنّ ميكانيكا الكم غريبة، تعرَّف على تشابك الزمن

ما هي الحوسبة الكمومية؟

ترجمة: سامي أنضوني

تدقيق: محمد حسان عجك

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر