يحتوي الغلاف الجوي على ستة أضعاف كمية الماء الموجودة في جميع الأنهار على الأرض. فقطرات الندى التي تراها على العشب وقطرات الماء على زجاجة العصير الباردة هي دليل على وجود هذا الخزان الطبيعي للمياه. ورغم وجودها في كل مكان، فإن ملياري شخص على وجه الأرض ما زالوا غير قادرين على شرب مياه نظيفة.

قد تسمح لنا تقنية جمع مياه الغلاف الجوي بسحب بعض هذه المياه العذبة من الهواء، لكن هناك تحدّيات عديدة حالت دون القيام بهذه التقنية على نطاق واسع.

فمن أجل إنشاء نظام فعّال ومستمر لجمع مياه الغلاف الجوي، يجب التأكد من أمرين؛ الأول هو أن امتصاص الماء من الهواء قابل للعكس كاملًا بحيث يمكن استرداد الماء للاستخدام.

أما الثاني هو الإدارة الفعّالة للحرارة المهدرة، فعندما يلتقط نظام جمع المياه الجوية الماء من الهواء، يُطلِقُ تكاثف الماء الحرارةَ، وإذا لم تُعالَج هذه الحرارة الزائدة بعناية، فقد تتداخل مع العملية برُمّتِها.

مع ذلك، يبدو أننا الآن أقرب إلى الحل، فقد استوحى فريق من الباحثين الصينيين من بنية أوراق النبات صنع مادة الإيروجيل مغطاة بقشرة أساسية قائمة على ألياف السليلوز النانوية أو اختصارًا Core-shell@CNF التي من شأنها التغلب على هذه الصعوبات. فهي لا تعمل بأشعة الشمس فقط، بل تنتج الكهرباء أيضًا.

إنتاج المياه العذبة من الهواء

تأتي هذه المادة بنواةٍ مُحبَّة للماء وقشرة كارهة للماء، وتشمل النواة جزيئات من كلوريد الليثيوم التي تتميز بقدرتها العالية على امتصاص الماء بوصفها مادة امتصاص، أما القشرة فإنها تتكون من جزيئات الكربون الأسود الكارهة للماء والمطلية بمادة ثنائي ميثيل بولي سيلوكسان.

تستوحي هذه التصميمات المتداخلة شكلها من أوراق النباتات التي تُظهِر أيضًا هياكل جوفاء مصممة تصميمًا جيدًا؛ إذ تحمي طبقة القشرة الخارجية طبقة اللب الداخلية من الجفاف والأكسدة، وتسمح الثغور بنقل جزيئات الغاز للماء بحرية.

تبدأ عملية جمع المياه الجوية بامتصاص الإيروجيل للماء ليلًا، فعندما يمر الهواء وبخار الماء خلال المادة، فإن مساماتها الكبيرة تسمح بوصول الماء لجزيئات كلوريد الليثيوم التي تمتصهم. ومع تزايد كمية الماء المتدفقة، تتحول الأملاح المميهة إلى طبقة رقيقة سائلة ثم إلى محلول ملحي. وفي أثناء ذلك، تمنع القشرة الكارهة للماء من تسرب الماء للخارج، وبذلك تساعد هذه التركيبة مادة Core-shell@CNF على الاستمرار في جمع الماء.

تمتص جزيئات الكربون أشعة الشمس خلال النهار وتسخن بسرعة. ونتيجة لذلك، ترتفع درجة الحرارة داخل الأيروجيل ويبدأ المحلول الملحي بإطلاق بخار الماء، معيدةً تكوين الملح الأصلي.

نظرًا إلى قدرة الكربون على امتصاص أشعة الشمس بسرعة وتحويلها إلى طاقة حرارية، يكون الأيروجيل قادرًا على إطلاق الماء بسرعة. وتساعد البنية المسامية للكربون أيضًا على نقل الحرارة وجزيئات الماء، ما يجعل عملية الرشح فعّالة.

نفَّذ العلماء عدة دورات من الامتصاص والرشح لاختبار حدود مادتهم في عملية جمع الماء الجوي وتحقيق أقصى كفاءة لها. وأدى ذلك إلى العديد من التحسينات في تصميم المادة، كالهيكل النهائي للإيروجيل الذي أصبح ذو مسامات أقل وجدران أكثر ثخانة بعشرة أضعاف من الأصلية. ودوَّن العلماء أنه بفضل هذه التغييرات، تمكنت هذه المادة من منع تسرب الماء حتى تحت الضغوط العالية، مظهرةً خواصًا كارهة للماء وقوة ميكانيكية.

يعمل الغلاف الكاره للماء القوي أيضًا على الحفاظ على نظافة الإيروجيل؛ إذ يفصل أي جزيئات غبار أو ملوثات تأتي مع جزيئات الماء. وعندما اختبر الباحثون الإيروجيل في بيئة خارجية مدة 24 ساعة، كان كل كيلوغرام من المادة قادرًا على جمع أقل من غرام واحد من المياه العذبة. في حين يأمل الباحثون في زيادة الكفاءة، إلا أن الماء نفسه كان جاهزًا للشرب.

أضاف الباحثون: «أظهرت نتائج اختبار الطيف الكتلي المتصل المغناطيسي البلازمي (ICP-MS) أن المياه المجمعة تَفِي بمتطلبات مياه الشرب لمنظمة الصحة العالمية ووكالة حماية البيئة الأمريكية».

تحويل الحرارة الزائدة إلى كهرباء

لقد أنتج الإيروجيل المياه العذبة، لكن ماذا عن الحرارة الزائدة التي تولدها جزيئات الكربون في أثناء عملية الرشح؟ فقد تؤدي الحرارة الزائدة إلى تلف مادة Core-shell@CNF بأكملها، وللوقاية من ذلك وجَّه الباحثون الحرارة نحو وحدة كهروحرارية، وهي جهاز يمكنه توليد الكهرباء بالاستفادة من فروقات درجة الحرارة.

وصل الباحثون مادة Core-shell@CNF بجانب واحد من الجهاز الكهروحراري مع الحفاظ على فجوة صغيرة بينهما للحفاظ على كمية كافية من الحرارة لتشغيل عملية جمع المياه الجوفية المستمرة.

عندما تُنتَج حرارة زائدة، تُنتِج مادة Core-shell@CNF فارقًا كبيرًا في درجات الحرارة بين الجانب الساخن والجانب البارد من وحدة الجهاز الكهروحراري، ما يؤدي إلى توليد الكهرباء.

عندما اختبر الباحثون هذا النظام في بيئة خارجية تحت ظروف مختلفة لضوء الشمس، حققوا أقصى إنتاج للطاقة بلغ 12 واط لكل متر مربع، أي نحو 10% مما يمكنك الحصول عليه من لوحٍ شمسي تقليدي.

حدثت هذه الذروة من الإنتاج بعد أن جف النظام. ويشير مؤلفو الدراسة إلى أن: «تجمع هذه الاستراتيجية الواعدة بين تقنية جمع المياه الجوية الجديدة وتحويل الطاقة الحرارية الشمسية مع إنتاج مياه عذبة بالضوء الطبيعي بوصفه مصدرًا وحيدًا للطاقة، ما يشجع على تسويق الجيل التالي من تقنية جمع المياه الجوية المتقدمة».

يقترح العلماء أن مادة Core-shell@CNF ستكون مفيدة جدًا للمسافرين والباحثين الذين يستكشفون البيئات القاسية ويواجهون تحديات مستمرة في تلبية احتياجاتهم من الطاقة والمياه، فضلًا عن أن للجهاز القدرة على توفير مياه نظيفة ووصول الطاقة لمليارات الأشخاص الذين يعيشون في مناطق فقيرة حول العالم.

مع ذلك، سيحتاج التصميم الحالي إلى الكثير من التحسينات الإضافية لجعل هذا ممكنًا.

أضاف المؤلفون: «نحن نتصور أن مثل هذا النظام القابل للتوسع والخفيف جدًا وذو القدرة العالية على امتصاص الرطوبة مع قدرة إنتاج مستمر للمياه، سيقدم فرصًا جديدة لمواد جمع المياه من الجو في معدات خارجية لتوليد الكهرباء الشمسية وإنتاج المياه العذبة بكفاءة».

اقرأ أيضًا:

توليد الكهرباء من الهواء أصبح حقيقة

علماء يبتكرون جهازًا يمكنه إنتاج الماء من هواء الصحراء

ترجمة: محمد فواز السيد

تدقيق: تسبيح علي

مراجعة: هادية أحمد زكي

المصدر