الكون المبكر كان مكانًا مليئًا بالضغوط على المجرات. كانت تجمعات من العشرات إلى المئات من المجرات المتجاورة، تُسمى عناقيد المجرات، تشترك في مجموعة مشتركة من الغاز الساخن، ولكن كانت هناك دائمًا مجرة طائشة أخرى تصطدم بالعنقود، وتدمج مع مجراته، وتُحدث اضطرابًا عامًا في مجموعة الغاز المعروفة باسم الوسط بين التجمعي.

هذا ما يجعل عنقود المجرات الجديد SPT2215 خاصًا للغاية. اكتُشف هذا العنقود على بُعد نحو 8.4 مليار سنة ضوئية من الأرض، ولقد التقط علماء الفلك مؤخرًا صورًا للعنقود SPT2215 عندما كان عمر الكون 5 مليارات سنة فقط. وبعد دراسته بالتفصيل، عدّه العلماء أحد العناقيد القليلة (المسترخية) الموجودة من تلك الفترة في الكون.

قد يؤدي ذلك إلى دفع العلماء لإعادة النظر في نماذجهم لمعرفة مدى سرعة تكون المجرات في بداية الكون.

يقول مايكل كالزاديلا، طالب دكتوراه في علم الفلك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) والكاتب الرئيسي لورقة بحث نُشِرَت في 19 أبريل 2023 في مجلة (The Astrophysical Journal) يصف فيها عنقود المجرات SPT2215 المكتشف حديثًا باستخدام مساعدة تلسكوبات متعددة ومراصد جوية: «إذا سُمي عنقود المجرات في عملية التكون (مضطربًا) فهو مجرد فوضى».

ويضيف: «إذا كان الغاز دائريًا جدًا، ومتماثلًا جدًا، يبدو مثل كرة، فإن ذلك يدل على أنه لم تحدث أي تفاعلات حديثة، إنه مسترخ جدًا». وبعبارة أخرى، لا يوجد اندماج للمجرات، وهذا يبدو أنه الحال مع SPT2215.

يمكن لاكتشاف ودراسة عناقيد المجرات المسترخية من الكون المبكر أن تعطي علماء الفلك أدلة عن كيفية اختلاف تكون المجرات والنجوم بين ثمانية مليارات سنة مضت والوقت الحاضر.

جاء اكتشاف SPT2215 بطريقة لا تشبه اكتشاف أي عنقود آخر للمجرات، فقد بدأ الأمر بظل غريب من الترددات الموجات الميكروية وانتهى بقراءة غريبة للمؤشر الحراري.

بحث فريق دولي مكون من عشرات العلماء عن علامات على عناقيد المجرات البعيدة في مسح عنقود SPTpol الممتد، الذي يستخدم تأثير Sunyaev-Zel’dovich -إشعاع الخلفية الكونية الميكروي المتفاعل مع الغاز المشترك الساخن من المجرات- لإيجاد مجموعات من النجوم ذات الصلة.

يُعد إشعاع الخلفية الكونية الميكروي التفاعل الأول في الكون، المعروف أيضًا باسم توهج ما بعد الانفجار العظيم، ويلاحظ كالزاديلا أنه عندما تصادف الفوتونات الميكروية ذات الطاقة المنخفضة عنقود المجرات في أثناء طريقها إلى الأرض، تُفتت إلى طاقات أعلى بواسطة الغاز أو البلازما داخل عنقود المجرات، وتظهر الفجوات التي تتركها هذه الفوتونات المُحسنة مثل الظلال على إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، ما يعطي فكرة تقريبية عن موقع العنقود.

وهكذا يتعين على علماء الفلك إجراء ملاحظات متابعة لتحديد المسافة وهل العنقود مضطرب أم مسترخٍ.

في حالة SPT2215، استخدم كالزاديلا وزملاؤه مجموعة من الأدوات بما في ذلك تلسكوب هابل الفضائي، وتلسكوب سبيتزر للأشعة تحت الحمراء، ومرصد شاندرا للأشعة السينية، وتلسكوبات أرضية مثل تلسكوب جايانت ماجلان في تشيلي.

يقول كالزاديلا: «إذا نظرت إلى طول موجات مختلفة، فستحصل على تكوين للصورة الكاملة لما يجري». ويضيف: «ينظر مرصد شاندرا إلى طول موجة الأشعة السينية؛ ويرصد تلسكوب سبيتزر إلى طول موجة الأشعة تحت الحمراء؛ وهابل إلى طول موجة الضوء البصري الذي يكون في منتصفهما تقريبًا».

الغاز المشترك داخل عنقود المجرات يبرد عادةً مع مرور الوقت، حيث تنبعث أولًا أشعة إكس، ثم يبرد لينبعث ضوء فوق البنفسجي، وأخيرًا، ينبعث بأطوال كهرومغناطيسية إلى المنطقة تحت الحمراء. ويمكننا التقاط كل جزء من هذه العملية عند طول موجات مختلفة، باستخدام هذه التلسكوبات المختلفة.

يقول كالزاديلا: «عادةً ما يتدفق الغاز المبرد الذي يشترك فيه عنقود المجرات ببطء نحو الداخل، مكونًا ومغذيًا مجرة مركزية تميل إلى الهيمنة على المجرات الأخرى، ويساعد الغاز على استمرار ولادة النجوم في تلك المجرة المركزية، لكنه أيضًا يشجع على تكوين ثقب أسود فائق الكتلة في مركز تلك المجرة. عندما يتغذى الثقب الأسود فائق الكتلة، سيولد انفجارات طاقة تقاوم الغاز المبرد والمتضخم».

ويلاحظ كالزاديلا إنه يعمل مثل الثرموستات وينظم درجة الحرارة في نوع من أنواع عنقود المجرات، ما يبطئ معدل تبريد الغاز.

ويضيف: «إن ما يجعل SPT2215 مثيرًا للاهتمام، هو أن هذا الثرموستات يواجه صعوبةً في مواكبة معدل التبريد الذي يحدث». وهذا يمنحه جوًا أكثر برودةً مما هو متوقع، إذ يتوقع أن يبرد الغاز أسرع بكثير مقارنةً بمعظم عناقيد المجرات الأخرى التي عُثر عليها في وقت مماثل في الكون.

تظهر المجرة المركزية أيضًا المزيد من النجوم الجديدة بالمقارنة مع عنقود حافظ فيه الثقب الأسود على منع تبريد الغاز بسرعة كبيرة.

يعتقد كالزاديلا أن هناك مجموعة من الأسباب المحتملة لكون SPT2215 باردًا جدًا، بما في ذلك إمكانية أن الثقب الأسود قد نشط لتوه. قد يستغرق بعض الوقت لكي يصل هذا الغاز المبرد إلى المجرة المركزية ويصل إلى ذلك الثقب الأسود.

على الرغم من أنه سيتطلب ملاحظات إضافية، ربما باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي أو متابعات طويلة مع هابل للتأكد، فإن عنقود SPT2215 قد يخبرنا بأن المجرات تتشكل في سن أصغر مما اعتقدنا في الكون المبكر، يقول كالزاديلا: «هذا يمثّل تحديًا للجدول الزمني للأحداث».

اقرأ أيضًا:

رصد أقدم مجرة راديوية مختبئة داخل عنقود مجري!

وجد الفلكيون عنقود مجرات مختبئًا في الكون الأولي

ترجمة: حمداش رانية

تدقيق: حسام التهامي

المصدر