كثيرً ما يطفئ الشخص الضوء استعدادًا للنوم وهو في حاجةٍ ملحّة له، لكن سرعان ما ينطلق عقله في التفكير والغوص بالأفكار والمشاعر. أفكار سريعة عابرة عن عمل عليه إنجازه، أو إصلاح سيارته، أو جراحة والده الأخيرة التي تشغل باله.

بينما يكافح الشخص لينام، تبدأ الساعات في المضي؛ فيصبح منزعجًا من مضي يوم الغد وعمّا سيكون عليه الحال وهو لم ينل قسطه الكافي من النوم.

لكن ما الذي يحدث عندما ينشغل الدماغ في الليل؟ وكيف يستطيع الشخص إيقافه؟

الجميع معرضون لهذا

بدايةً، من المهم معرفة أنّ هذا الاضطراب شائع وقد يحدث لأي شخص، دون أي إشارات بصريّة أو صوتيّة أخرى لتشغيل العقل، إذ يبدأ العديد من الأشخاص في التفكير المتواصل وسباق الأفكار الذي يبقيهم مستيقظين. قد يحدث هذا في بداية الليل قبل النوم، أو عند استيقاظهم في الليل بعد قسطٍ منه.

الخبر الجيد أن هناك طرق فعّالة للحدّ من تزاحم الأفكار والمساعدة في الحصول على بعض النوم. لإنجاز ذلك، يجب أخذ خطوة للوراء وفهم الأرق وأسبابه في سبيل معرفة الحل للتغلب عليه.

ما هو الأرق؟

إذا كنت تعاني الأرق، فأنت لست وحدك بالطبع. حاليًّا، يصاب ما يُقارب ستة من كلّ عشرة أشخاص بأعراض الأرق العاديّة. وواحد من كل عشرة يعاني من هذه الأعراض لشهور أو سنوات، ليصبح الأرق مزمنًا.

يتضمن الأرق صعوبة النوم في بداية الليل، والاستيقاظ خلال الليل، والشعور بالتعب نهارًا وصعوبة التركيز والخمول أو المزاج السيئ.

يشعر العديد من الأشخاص الذين يعانون الأرق باليقظة المفاجئة عندما يدخلون الفراش. فما الذي يجري؟

يتعلم الدماغ والجسم عند قضاء وقت أطول في الفراش، تنفيذ أنشطة غير النوم، وكلّما اعتادا أن الفراش هو مكان لهذه الأنشطة زاد انغماسهما بها عند محاولة البدء بالنوم. ولا تشمل هذه الأنشطة القلق والتفكير فقط، بل تتضمن أيضًا استخدام الهاتف المحمول، ومشاهدة التلفزيون، وتناول الطعام الخفيف الموجود بالقرب من السرير، وبعض واجبات العمل الصغيرة، وكذلك المشاجرة مع الأشخاص المحيطين، والتدخين قبل النوم أو اللعب مع الحيوانات الأليفة.

تدريجيًّا، يعتاد الدماغ على جعل الفراش مكانًا لهذه الأنشطة الأخرى بدلًا من الراحة والنوم. مع مرور الوقت، يصبح الفعل البسيط للدخول إلى الفراش مؤثرًا في الشعور باليقظة والصحوة والانتباه للقيام بهذه الأنشطة. يُطلق على هذا الحالة (الأرق المشروط).

وفيما يلي ست طرق لقضاء وقت أقل من اليقظة في الفراش:

1. إعادة تعلم ربط السرير بالنوم

يساعد العلاج المتحكّم بالمحفزات في إعادة بناء العلاقة بين الفراش والنوم، وإعادتها إلى الوضع الطبيعي.

إن اتباع هذه الخطوات البسيطة كلّ ليلة سيكون عاملًا هامًا في تحقيق هذا الهدف:

  •  استخدام السرير فقط للنوم وللعلاقة الحميمية، وجميع الأنشطة الأخرى يجب أن تحدث خارج السرير، ويفضل في غرفة أخرى.
  •  الذهاب إلى السرير فقط عند الشعور بالنعاس (عند الشعور بالثقل في العينين والقدرة على النوم بسهولة). إذا لم يشعر الشخص بالنعاس، يستحسن التأخير في الذهاب إلى السرير، واستخدم هذا الوقت لعمل شيء مريح في غرفة أخرى.
  •  إذا كان الشخص ما يزال مستيقظًا بعد حوالي 15 دقيقة في السرير، يمكن النهوض من السرير والذهاب إلى غرفة أخرى؛ ثم فعل شيء مريح آخر حتّى الشعور بالنعاس مرة أخرى، مثل قراءة كتاب، أو الاستماع إلى الراديو، أو إنجاز بعض المهام المتأخرة أو حل لغز الكلمات المتقاطعة. إن تجنب المثيرات والمحفزات بكل أنواعها أمرٌ ضروريّ، مثل العمل أو الألعاب على الكمبيوتر.
  •  تكرار الخطوات السابقة حتّى النوم قرابة 15 دقيقة. يستغرق هذا الأمر عدة دورات من الصعود والنزول من السرير. ولكن ضمن هذا الوقت، ستزيد حاجة الجسم الطبيعيّة للنوم، وسينام الشخص في النهاية في غضون 15 دقيقة من دخوله السرير.
  •  الخروج من السرير في نفس الوقت كلّ صباح بغض النظر عن كميّة النوم الّتي حصل عليها الشخص في الليلة السابقة.
  •  تجنب القيلولة الظهر الطويلة، التي تزيد صعوبة النوم ليلًا.

على مدى عدّة ليالٍ، يبني هذا العلاج العلاقة بين السرير والنوم، ويقلل من العلاقة بين السرير والشعور بالانتباه والأفكار.

2. صرف الانتباه بأفكار جميلة

قد تسبّب الأفكار السلبيّة في السرير أو القلق فقدان النوم واليقظة، وتجعل الشروع في النوم صعبًا. لذلك، يُنصح دومًا بتجربة ما يسمى (إعادة التركيز الإدراكي)، وهي محاولة إعادة تشغيل ذكرى جميلة أو فيلم أو عرض تلفزيوني في المخيّلة، لصرف الانتباه عن هذه الأفكار السلبية.

في الواقع، يجب أن تكون هذه الذاكرة قابلة للاستدعاء بوضوح شديد، وتسبّب مشاعر محايدة أو إيجابية طفيفة. قد تؤدي الذكريات زائدة الإيجابيّة أو السلبيّة إلى زيادة اليقظة والنشاط العقليّ.

3. الاسترخاء للنوم

يهدف علاج القلق بالاسترخاء إلى تقليل اليقظة وتحسين النوم. إحدى الطرق هي القيام بتوتير وإرخاء تدريجي لمجموعات من العضلات بالترتيب، والمعروف باسم العلاج الموجّه لتدريب العضلات المتقدم.

يمكن أيضًا تجربة تمارين التنفس والموسيقى المهدئة والصور التخيليّة أو تمارين الاسترخاء الأخرى التي تزيد الشعور بالراحة.

جزء من الاسترخاء أثناء النوم هو تجنب إنجاز بالعمل في وقت متأخر مساءً أو الأنشطة المعتمدة على الشاشة قبل النوم مباشرةً؛ أي يمنح الشخص (منطقة عازلة)، للسماح لنفسه بوقت لبدء الاسترخاء قبل النوم.

4. القلق في وقت سابق من اليوم

إن تخصيص بعض الأوقات للقلق والتفكير في فترة مبكّرة من اليوم أمرٌ مفيد، إذ يمنع حدوث هذه الأفكار في الليل. تفيد أيضًا تدوين بعض الأشياء المقلقة التي تشغل عقل الشخص وتجعله يفكر بها قبل النوم.

عند بدء الشخص في القلق أثناء الليل، يمكن تذكّر أنّه قام بتدوين هذه الأشياء مسبقًا، ما يشعره بالراحة تجاهها.

5. فهم أن الاستيقاظ في الليل أمر طبيعي

تساعد معرفة أن الاستيقاظ القصير من النوم أمر طبيعي تمامًا، وليست علامة على اعتلال الصحة.

يحدث النوم في دورات مختلفة أثناء الليل. تستغرق كل دورة حوالي 90 دقيقة، وتتضمن مراحل مختلفة من النوم الخفيف والعميق والحلم (REM). يحدث معظم النوم العميق في النصف الأول من الليل، ومعظم النوم الخفيف في النصف الثاني منه.

يختبر الجميع استيقاظًا قصيرًا من النوم بين هذه الدورات، لكن معظم الناس لا يتذكرونها في صباح اليوم التالي.

6. ماذا لو لم ينفع كلّ ما سبق؟

إذا لم تنجح كلّ هذه المحاولات، فإنّ الخطوة التالية الأكثر فعاليةً هي (العلاج السلوكيّ المعرفيّ للأرق) أو CBT-i.

يستهدف هذا العلاج غير الدوائيّ الأسباب الكامنة وراء الأرق، ويؤدي إلى تحسينات طويلة الأمد في النوم والصحة العقلية والوظيفة نهارًا.

يمكن القيام ببرنامج موجّه ذاتيًّا عبر الإنترنت، أو الوصول إليه من خلال الطبيب العام أو الطبيب النفسي.

اقرأ أيضًا:

وضعية النوم الافضل: على الظهر أم على الجانب أم على البطن؟

ترجمة: لمك يوسف

تدقيق: المايا محمد علي

المصدر