«أوقفوا العالم، أريد النزول»، ظهرت هذه العبارة الساخطة منذ خمسينيات القرن الماضي، واستُخدمت في الموسيقى الكلاسيكية والحديثة على حد سواء، وفي حال توقفت الأرض عن الدوران، فإن عواقب ذلك لن تتمثل في فلم موسيقي رومانسي، بل في فيلم رعب مروع يصور نهاية العالم.

فلنتخيل أن شخصًا ما يسير على شاطئ مشمس في مكان على طول خط الاستواء، والأرض تدور تحته شرقًا بسرعة 1674 كيلومترًا في الساعة.

ماذا لو توقفت الأرض فجأة عن الدوران؟

ستبدو نزهة ذلك الشخص ممتعة وهادئة لأنه يتحرك والرمال وكل شيء من حوله بسرعة واحدة، إذا توقفت الأرض من تحته عندها، سيُلقى به خارجًا، وبفضل قانون نيوتن الأول للقصور الذاتي، سيحلّق بدايةً نحو الشرق بسرعة تقريبية تقدر بنحو 1673 كيلومترًا في الساعة، ومن المرجح أن تقتله قوة الاصطدام، وذلك بصرف النظر عن المكان الذي يهبط فيه، سواء أكان محيطًا أم أرضًا.

قال جوزيف ليفي، أستاذ مشارك في علوم الأرض والجيولوجيا البيئية في جامعة كولجيت: «سيتأثر الماء أيضًا بهذا التسارع المفاجئ»، لذلك من المرجح مشاهدة المحيط يتأرجح قليلًا قبل الاصطدام.

لن تكون الأشجار والمباني آمنة أيضًا، مع أنها متجذرة في الأرض، إذ قال ليفي: «إن مواد الأرض قوية عندما تتعرض للضغط الأرضي، ولكنها ضعيفة جدًّا عند تعرضها للتوتر».

بمعنى آخر، يحتمل مبنى الطوب مئات الأشخاص ﻷن ضغط ثقلهم يزيد من تراصّ أرضياته ودعائمه، ولن يكون الحال كذلك بالنسبة لقوة مفاجأة باتجاه آخر، قال ليفي: «إن القصور الذاتي الذي يدفع المبنى شرقًا نتيجة التوقف المفاجئ للأرض، سيكون أقوى بكثير من الإسمنت الذي يثبت الطوب معًا، وعلى هذا، قد يتمزق الهيكل بأكمله».

وأوضح ليفي أنه من المرجح أن يبقى شخص افتراضي في القارة القطبية على قيد الحياة مصابًا ببعض الرضوض، فبالقرب من القطبين، يكون محور الدوران أصغر بكثير، ووفقًا لذلك، تكون سرعة الدوران أقل، ولكن يجب أن يكون ذلك الشخص قريبًا جدًا، أي ضمن خط عرض 89.9 درجة، أو نحو 11 كيلومتر من القطبين، في تلك المسافة، ربما سيتعثر فقط إلى الأمام عند سرعة المشي، لكن أصدقائه في الدنمارك أو أستراليا قد لا ينجحون في ذلك.

إن معظم الأماكن التي يسكنها البشر بعيدة بما يكفي عن القطبين لدرجة أن سكانها سيحلّقون بسرعة مئات الأميال في الساعة.

ماذا لو توقفت الأرض عن الدوران تدريجيًّا؟

قال ليفي: «في الأنظمة الطبيعية، لا شيء يتوقف فورًا بشكل نهائي». فماذا لو تباطأت الأرض على مدار أيام أو أسابيع؟

قد يمنع التباطؤ التدريجي شخصًا ما من الاندفاع نحو السماء، ولكن فور توقفه، سيقع في الكثير من المشكلات.

قال ليفي: «على مدار العام، عندما تدور الأرض حول الشمس، سيكون نصف الكوكب مظلمًا ونصفه الآخر مضاءً بالكامل، لكن سيستمر التبدل بين الحالتين طيلة العام».

أوضح ليفي أن اليوم قد يستمر ستة أشهر عوضًا عن 12 ساعة، وأن الشمس المتواصلة ستحرق المحاصيل المجاورة، وتبخِّر الكثير من الماء في نصف الكرة الأرضية

وربما لن تكون الليلة التالية التي تبلغ مدتها ستة أشهر أفضل بكثير. فقد يفضي نقص الضوء والدفء إلى القضاء على العديد من النباتات المتبقية وتجمُّد الماء في الصفائح الجليدية.

قد تكون خطوط العرض العُليا أكثر أمانًا، إذ لن تكون شدة أشعة الشمس قوية جدًّا بالقرب من القطبين، لكن يجب اعتياد نمط حياة الرّحالة، ملاحقين ضوء النهار أينما كان في العالم على الدوام.

قد يضطر البشر أيضًا إلى التعامل مع بعض ظروف الطقس غير المتوقعة.

على كوكب يدور، من الطبيعي أن يصطدم معظم الإشعاع الشمسي بخط استواء الكوكب، إذ أوضح ليفي أن الهواء الدافئ يتصاعد عمومًا فوق خط الاستواء، منخفضًا فوق القطبين بعد أن يبرد.

تتبع تياراتُ المحيط دورة صعود ونزول مماثلة، ولكن عندما يحصل نصف الكوكب فحسب على أشعة الشمس الشديدة لعدة أشهر متتالية، يكون للكوكب تدرجًا جانبيًا ثانيًا في درجه الحرارة، ما يجعل التنبؤ بالطقس أكثر تعقيدًا بمرتين.

أضاف ليفي قائلًا: «ستهب الرياح عبر خط الغَلس (خط الظل)، لتعيد الهواء البارد من الجانب المظلم، إذ يعتدل ويتصاعد على الجانب المضيء».

هل يمكن للأرض التوقف فعلًا عن الدوران؟

لا داعي للقلق، ولكن دوران الأرض يتباطأ فعليًا بسبب عملية تسمى الكبح المدّي.

تخلق جاذبية القمر عائقًا صغيرًا لدوران كوكب الأرض، لذلك يتباطأ دورانه بمقدار إضافي قدره 2.3 ميلي ثانية كل قرن، وذلك وفقًا لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا.

من غير المرجح أن يوقف القمر دوران الأرض بالكامل، إذ قال ليفي: «إن الأرض أكبر بكثير من القمر، ما يعني امتلاكها زخمًا زاويًا أكبر».

إن إحدى طرق إبطاء دوران الأرض بشكل كبير هي أن تعاملها البشرية باعتبارها مصدرًا ضخمًا للطاقة، فبوسعنا مثلًا أن نجعل من الأرض نموذجًا محاكيًا لنظام دولاب الموازنة، وذلك عبر تخزين الطاقة الحركية الناتجة عن دوران الأرض ثمّ استخدامها لتلبية احتياجاتنا من الطاقة.

قال ليفي: «إذا استُخدِمت كمية الحركة الدورانية لتلبية جميع احتياجات البشرية من الطاقة، فسوف يستغرق الأمر نحو مليون عام لإبطاء الكوكب حتى التوقف».

أوضح ليفي أنه يكاد يكون من المستحيل لأي جسم في الفضاء إيقاف دوران الأرض قبل ذلك الوقت، إذ إن الزخم الزاوي للأرض كبير، لذلك من الصعب أن يُبطئه أيّ شيء عدا كارثة كاملة».

لهذا لن يتوقف العالم لتنزل منه قريبًا، وربما هذا أمر جيد.

اقرأ أيضًا:

الأرض ستدخل نفقًا مظلمًا بسبب تغير المناخ

نصف الأرض الجنوبي يجف أكثر من نصف الأرض الشمالي، فماذا يعني ذلك؟

ترجمة: يزن عمران

تدقيق: نور حمود

مراجعة: محمد حسان عجك

المصدر