مرت قرابة 250 مليون سنة منذ أن حدث الانقراض الكبير والشامل الذي يُعرف باسم «الموت العظيم».

في أثناء الموت العظيم، انقرضت أنواع من النباتات والحيوانات المائية والأرضية من الوجود نوعًا تلو الآخر، وواجهت أنظمة بيئية كاملة صعوبة في النجاة. يُعرف الموت العظيم أيضًا باسم «حادثة الانقراض البرمي الترياسي» أو «انقراض أواخر العصر البرمي».

استغرق الموت العظيم نحو 100,000 سنة إن لم يكن أكثر، وبحلول نهايته، لم تتمكن إلا بضعة أنواع من النجاة.

كانت تلك الأنواع القليلة الناجية تمثل نقطة بداية لأنواع جديدة، التي تطورت مع مرور الزمن ونتج عنها السلالات التي تشكل ركيزة تنوع الحياة الذي نراه اليوم.

بالمقارنة مع حادثة الانقراض الطباشيري التي قُضي فيها على غالبية الديناصورات غير الطائرة قبل 65 مليون سنة، كان الموت العظيم أكثر شمولًا، إذ شمل كل أصناف الحياة على الأرض.

السبب الدقيق لفقدان الحياة السريع هذا موضع نقاش كبير، وما يزيد من تعقيد الأمر هو قلة الحفريات ومرور الكثير من الوقت على الحادثة وتشابك الأدلة.

أصبحت لدينا حاليًا معرفة أعمق بالوقائع التي على الأرجح أدت دورًا في توفير الظروف التي كانت أقسى من أن تتحملها معظم أشكال الحياة على الأرض، واستنادًا إلى ما نعرفه اليوم، أصبح بإمكاننا توقع ما إذا كنا سنشهد أحداثًا مماثلة مجددًا.

كيف كانت الحياة قبل الموت العظيم؟

كان كوكب الأرض مختلفًا جدًا في أثناء الفترة الجيولوجية التي تُعرف بالعصر البرمي، إذ قبل الموت العظيم، كان المحيط أكثر اتساعًا ويغطي معظم سطح الأرض، ليحيط بقارة وحيدة تُسمى بانغيا.

لم تعد هناك المستنقعات الشاسعة المليئة بالطحالب والسراخس الشاهقة والحشرات الضخمة، التي تميز بها العصر الكربوني الذي سبق تلك الفترة.

عندما كانت اليابسة في كوكب الأرض ملتحمة معًا، كان المناخ منقسمًا بين مناخ جاف في الداخل ومناخ أكثر برودة في السواحل، التي أفسحت المجال لامتدادات واسعة من المياه الساحلية الضحلة.

نتيجة لهذا الجفاف، تشكل التنوع الحيوي في العصر البرمي الذي يُقدَّر بقرابة 50 مليون سنة.

في تلك الأثناء، تأصلت النباتات القوية حاملة البذور مثل الصنوبريات على نطاق واسع، وحظيت البرمائيات ببيئات أكثر ملاءمة، ما أدى إلى نشوء حيوانات لم تعتمد على الماء للتكاثر.

من ضمنها ملتحمات الأقواس (أسلاف ثدييات اليوم)، وعظائيات الوجه التي نتج عنها شجرة عائلة الطيور والزواحف. واصلت الحيوانات البحرية التي ظهرت خلال الفترة التي سبقت العصر البرمي -مثل الأمونيات التي تشبه النوتيلوس وأنواع من الأسماك العظمية وسمك القرش- الازدهار في المياه المضاءة بضوء الشمس.

في حين تنوعت الحياة مبكرًا خلال العصر البرمي، فإنها لم تستمر، إذ في وقت ما قبل نحو 260 مليون سنة تلقى التنوع الحيوي ضربة قوية أدت إلى اختفاء ثلاثة أرباع رباعيات الأرجل التي تعيش على اليابسة من سجل الحفريات.

رغم أن هذا قد يبدو سيئًا، فإن هذه الكارثة التي حدثت في منتصف العصر البرمي لا تُعد شيئًا مقارنةً بالخسائر التي تكبدتها الأرض بعد ذلك بقرابة 10 ملايين سنة في نهاية العصر ذاته، عندما قُضي على 80% من الأنواع البحرية و90% من جميع رباعيات الأرجل.

ما سبب الموت العظيم؟

تعود إحدى الحفريات الرئيسية المرتبطة بالموت العظيم إلى كائن بحري يشبه الأنقليس يسمى هينديودوس بارفوس، وعُثِر على أقدم حفرية معروفة لهذا النوع في الصخور القريبة من مدينة ميشان الصينية، يحدد هذا الاكتشاف خطًا واضحًا بين نهاية العصر البرمي وبداية سيطرة الديناصورات في العصر الترياسي.

يُعد ظهور ذلك الحيوان أكثر من مجرد علامة ملائمة، إذ إنه يبين تغيرات قوية في تركيب المعادن وتنوع الحفريات في حدود الصخور المحيطة، واتضح الآن أنها علامات على حادثة انقراض عالمي.

إلا أن تطبيق الاستنتاجات المستنبطة من موقع واحد على وقائع أثرت في الكوكب بأكمله يُعد تحديًا صعبًا للغاية. يدرك العلماء أن أمرًا كبيرًا حدث حينئذ، لكنهم بحاجة إلى نطاق أوسع من الأدلة مجمعة من مختلف أنحاء العالم ليحددوا ما حدث بدقة.

مثلًا، ترسبت منطقة شاسعة من الصخور البركانية في سيبيريا خلال 2 مليون سنة، قبل قرابة 252 مليون سنة، وحتى ينتج عن الانفجارات البركانية صخور ذائبة بتلك الكمية الكبيرة، لا بد أنه قُذِف خلالها الكثير من المواد الأخرى، مثل ثاني أكسيد الكربون وجسيمات الرماد والكبريت وغيره من المعادن.

أوضحت أدلة إضافية أن النشاط البركاني قد صهر التضاريس المحيطة، ما أدى إلى إطلاق أحمال زائدة من السخام وثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي.

بمثابة العثور على غلاف رصاصة في مشهد جريمة قتل، يُعَد هذا مجرد رابط سهل لا يمكن أن يفيدنا بالقصة بتفاصيلها، إذ إن فهم الكيفية التي أصبحت بها الحياة في ذلك الوقت غير مواتية نتيجة لانبعاثات بركانية من سيبيريا، مسألة مفتوحة للتكهنات.

نظرًا إلى الدور الذي تؤديه الانبعاثات الكربونية في أزمتنا المناخية الحالية، فإن الاحتباس الحراري يُعد أحد الاحتمالات الواضحة التي يمكننا البدء ببناء افتراضاتنا عليها. مع أن درجات الحرارة ارتفعت بالفعل حينئذ، فإنها لا تتوافق تمامًا مع انخفاض التنوع الحيوي في الفترات القريبة من ظهور هينديودوس بارفوس، وإن كان هذا لا يعني أنها لم تؤد دورًا في حدوث الموت العظيم، لكنه يوضح وجود عوامل أخرى.

تبين كذلك أن حامضية المحيط تفاقمت بعد الانفجارات البركانية، ما أثر في الحيوانات البحرية القشرية، ومن المحتمل أيضًا أن التركيزات المرتفعة من المعادن الأخرى مثل النيكل أدت إلى تنامي الميكروبات التي استنزفت الأكسجين ثم تعفنت، ما أنتج كميات كبيرة من الميثان.

غير أن هناك علامات على انخفاض محتمل في تنوع حيوانات اليابسة قبل الانفجار الأول لتلك البراكين بوقت طويل.

ربما أدت ذبذبات من النشاط البركاني على مدى فترة طويلة من الزمن إلى تآكل طبقة الأوزون، ما أثر في تكاثر العديد من أنواع النباتات. تلك فرضية مثيرة للاهتمام وقد تفسر بالفعل فناء الكثير من الأنواع الحية، إلا أن بعض الدراسات بينت أن الحياة النباتية لم تتأثر إلا قليلًا، لذا فإنه من غير المنطقي الافتراض بأنها مسؤولة عن الانهيار البيئي الذي حدث في أثناء الموت العظيم.

تشير دراسات أخرى إلى وجود سبب ثانٍ: أهباء جوية من براكين جنوب الصين بردت الكوكب قبل حادثة الاحترار اللاحقة.

أيًا كان ما جعل الغلاف الحيوي رقيقًا إلى تلك الدرجة قبل 251 مليون سنة، فمن الواضح أنه كان حدثًا معقدًا.

هل يمكن أن تعاني الأرض حادثة انقراض بضخامة الموت العظيم مجددًا؟

الإجابة ببساطة: لا نعلم. أصبح كوكب الأرض مختلفًا جدًا اليوم، بقارات متفرقة تفصل بينها عدة محيطات تزخر بالتنوع الحيوي.

مع أننا لا نتوقع أي أحداث بركانية كبيرة في المستقبل القريب، فإنها تظل تهديدًا محتملًا خطيرًا، لدرجة أن عدة هيئات بحثية مثل ناسا وضعت خططًا لكيفية رصد المخاطر المناخية المماثلة.

لسنا بحاجة إلى تخيل تأثير النشاط البركاني لمعرفة عواقب إطلاق ثاني أكسيد الكربون على نحو سريع إلى الغلاف الجوي. إذا استطعنا تعلم شيء من انقراض أواخر العصر البرمي، فهو حقيقة أن الغلاف الحيوي قد ينهار بطرق معقدة، تسبب فيها عوامل متعددة تأثيرًا جماعيًا، مثل تأثير الدومينو، الذي قد يستغرق قرونًا ليتضح.

يتفق العديد من العلماء في الوقت الحالي أننا نشهد اليوم انقراضًا سادسًا وأزمة مناخية، وأن أنظمتنا البيئية تتغير سريعًا، هذا لا يعني أن ما نشهده اليوم من تغيرات واسعة في أنظمة الطقس ومستويات البحار قريب من الموت العظيم، لكنه يبين أن إبادة جميع الأنواع الحية غير الصامدة أمر محتمل.

اقرأ أيضًا:

يبدو أن الانقراض الجماعي الذي حدث قبل 250 مليون عام له أسباب متعددة

كيف يحدث الانقراض ؟

ترجمة: رحاب القاضي

تدقيق: تسبيح علي

المصدر