البورون هو عنصر متعدد الأغراض، وهو أحد العناصر المغذية الأساسية للنباتات ومكوّن مهم في الصناعة الذريّة والمكوّن الرئيسي للسائل الغريب المُسمى (أوبليك – Oobleck).

يتموضع بجانب الكربون في الجدول الدوري للعناصر وهو عنصر شبه فلزي ومادة تمتلك الخاصية المعدنية وغير المعدنية، كما قال البروفيسور أستيم أوغانوف من جامعة ستوني بروك لجريدة نيويورك تايمز في عام 2009 بأنّه عنصر معقد.

قال أوغانوف: «البورون عنصر مريض بالفصام بحقّ، وهو عنصر مصاب بالإحباط التام؛ لأنّه لا يعلم ماذا يريد أن يفعل، ففي النتيجة سيتكوّن شيء معقد بشكلٍ رهيبٍ».

مركبات البورون – وخصوصًا البوراكس – قد استُخدمت من قِبَل البشر لآلاف السنين، وفقًا لموقع (Chemicool).

البوراكس – أو بورات الصوديوم الرباعية – يتشكّل بشكلٍ طبيعيٍ من خلال تبخّر بعض البحيرات المالحة، وفقًا لـ (AZoM) وهو موقع مرجعي إلكتروني للعلوم المعدنية والهندسية.

في القرن الثالث الميلادي كان البوراكس يُصَدَّر من قاع البحيرات التيبتية (في التيبت) على طول طريق الحرير ليُستخدم من قِبَل صائغي الذهب والفضة العرب، كما كان يُستخدم أيضًا لصناعة طلاء السيراميك في الصين.

هذه الاستخدامات المبكرة تعود لاسم البوراكس – وعمومًا للبورون – ويأتي هذا الاسم من الكلمة العربية (براق) أو أبيض.

غير أن العنصر بحد ذاته لم يُستخرج حتى العام 1808، وفقًا للجمعية الملكية للكيمياء. حتى ذلك الوقت لم يتمكن الكيميائيون من الحصول على شكلٍ نقيٍّ من البورون، وهذه الغاية لم يتوصل إليها الباحثون إلّا بعد قرنٍ من الزمن، في عام 1909 وذلك عندما قام الكيميائيّ الأمريكيّ ايزيكييل وينتروب بعزل 99% من البورون النقي.

الحقائق

وفقًا لمختبر جيفرسون، فإن خصائص البورون هي:
• العدد الذري (عدد البروتونات في النواة): 5
• الرمز الذري (في الجدول الدوري للعناصر): B
• الوزن الذري (الكتلة المتوسطة للذرة): 10.81
• الكثافة: 2.37 غرام على السنتيمتر المكعب
• الحالة الفيزيائية بدرجة حرارة الغرفة: صلب
• نقطة الانصهار: 3.767 درجة فهرنهايت (2.076 درجة مئوية)
• درجة الغليان: 7.232 درجة فهرنهايت ( 4 درجة مئوية)
• عدد النظائر (نفس ذرات العنصر ولكن بعددٍ مختلفٍ من النيوترونات): 6
• النظائر الأكثر شيوعًا: B-10 (متوفر بشكل طبيعي بنسبة 19.9%) وB-11 (متوفر بشكل طبيعي بنسبة 80.1%)

أوكي أوبليك Ooky Oobleck

كجزء من البوراكس، فإن البورون عنصر منزليّ شائع جدًا والذي نجده في العديد من مواد التنظيف. (نصيحة مهمة: محلول البوراكس والسكر يقتل النمل أيضًا!).

هو أيضًا موجود في الأوساط العلمية، فالمادة اللزجة (أوبليك) هي سائل مع بعض الخصائص الغريبة. مزيج من محلول البوراكس والصمغ السائل يُشكّلان مادةً سائلةً عندما تُسكَب ولكنها صلبة عندما تتعرض للضغط.

الأوبليك هو سائل غير خاضعٍ لقانون نيوتن، وهذا يعني أنّ لزوجته تتوقف على قوة القص المطّبقة عليه.
الصمغ ومادة الأوبليك يشتركان لخلق جزيئاتٍ بوليميريةٍ رقيقةٍ وطويلة، فمجرد نقرةٍ أو ضغطٍ كبيرٍ سيُجبر الجزيئات في السائل على الاتحاد مع بعضها لتشكيل بذلك مادةٍ صلبةٍ.

حركة بطيئة مثل السكب أو الوكزة اللطيفة تتيح للجزيئات التدفق بشكلٍ معاكسٍ عن بعضها البعض جاعلةً مادة الأوبليك تسلك سلوك سائل.
المفهوم نفسه هو ما يجعل المطاط السيليكونيّ قادرًا على التدفق أو الارتداد.

(يمكن أن يُصنع الأوبليك أيضًا من مزيج نشاء الذرة والماء).

ولكنّ ليس كل شيءٍ عن البورون عبارة عن مرحٍ ولعبٍ؛ لأنّ نظير البورون-10 يُصادف كونه ممتاز في امتصاص النيوترونات، هذا الشيء مفيد للغاية في الانشطار النوويّ الناجم عن تحرك النيوترونات بسرعة وفصل جزيئات اليورانيوم عن بعضها البعض.

المدخل لهذه العملية هو تحقيق توازنها بحيث يتسنّى لكل حدثٍ انشطاريٍّ أن يسبب حدثًا انشطاريًا آخرًا فقط، وإلّا فإنّ التفاعل سيتسارع كالقطار المُنفلت والمُفاعل سيصل للمرحلة فوق الحرجة، وبالتالي أخبار سيئة في كل مكانٍ.
لإبقاء التفاعلات النووية في حالة توازن، فإن المُفاعلات مُجهزة بأدواتٍ تدعى أذرع التحكم وغالبًا تكون مصنوعةً من البورون أو من عناصرٍ أخرى، وفقًا للهيئة الأمريكية لتنظيم الشؤون النووية. يقوم البورون بامتصاص النيوترونات الفائضة، مانعةً إيّاهم من إحداث شرارةٍ في العديد من ذرات اليورانيوم.

من كان يعلم؟

• رُبَّما كان البورون هو مفتاح تطور الحياة على الأرض، لأنّه العنصر يعمل على استقرار الريبوز في الـ RNA، وهي الجزيئات التي تكونت بفعل التركيب الذاتي – أي ذاتيّة التجميع – والتي سبقت الـ DNA، ولا بُدَّ من الإشارة إلى أنّ الفيروسات تنقل بشكلٍ أساسيٍّ سلاسل الـ RNA. وجدت دراسة أجريت في شهر حزيران من عام 2014 أنّ البورون موجود في أقدم الصخور على سطح الأرض، والتي تعود إلى 3.8 مليار سنة. هذا البحث يثبت أنّ الكوكب الأرضي في بداية عهده كانت لديه العناصر اللازمة لبناء الـ RNA.
• أو رُبَّما ذاك الـ RNA الأول قد حصل على البورون من الفضاء، حيث وجدت دراسة في عام 2013 أن الحطام النيزكيّ المريخيّ الذي سقط في القارة القطبية الجنوبية تضمّن 10 أضعافٍ من البورون أكثر من أيّ جسمٍ فضائيٍّ قد قيس من قبل.
• البورون في شكله البلوري هو العنصر الثاني من حيث القساوة بعد الكربون (في شكله الألماسي)، وفقًا لموقع كيمي كول (Chemicool).
• على عكس العديد من العناصر التي تشكلت في التفاعلات النووية بين النجوم، تشكّل البورون بعد الانفجار الكبير (The Big Bang)، عن طريق عملية تدعى (الانشطار الكوني الشظوي – Cosmic ray spallation)، خلال هذه العملية الأشعة الكونية المتصادمة تقسم نوى الذرات مُسببةً الانشطار.
الأبحاث الحالية
البورون ليس لديه شعبية كبيرة، لكن العلم لديه الكثير لقوله عن هذا العنصر المثير للاهتمام بشكلٍ مدهشٍ.

على سبيل المثال، علماء النباتات عرفوا لوقتٍ طويلٍ أنّه من دون البورون فإن النباتات لن تستطيع النمو.

إن هذا العنصر هو غذاء أساسي، لكن لماذا؟ لم يعرف أحد الجواب حتى آب من عام 2014، عندما عثر الباحثون من جامعة ميسوري على الجواب.

لقد وجدوا أنّ البورون هام للخلايا الجذعيّة للنباتات، حيث أنّ أجزاء النبات التي تدعى البارض (النسيج المقسوم) والتي تستطيع النمو لتكوّن الخلايا المختلفة التي تُشكّل النبات، بدون البورون هذه الأنسجة ستذبل هذا ما أفاد به الباحثون في مجلة (Plant Cell)، وفي شرق الولايات المتحدة على المزارعين أن يضيفوا لتربتهم البورون من أجل زيادة المحاصيل الزراعية.

قد يكون البورون بمثابة هديةٍ للتكنولوجيا أيضًا، ففي حزيران عام 2014 اكتشف الباحثون (كرة بوكي – Buckyball) من البورون، وهي عبارة عن مجسم على شكل قفص يشبه شكل كرة القدم، كرة البوكي من الكربون غالبًا ما تُستخدم في النانو تكنولوجي.
المجسمات النانوية الكربونية (المعروفة بالفورينات) اكتُشفت لأول مرة في الثمانينات، وأثارت موجة من البحث عن مجموعة ذرات أخرى مثيرة للاهتمام.

قال لي شانغ وانغ وهو كيمياءئي في جامعة براون والذي اكتشف أول كرة بوكي من البورون: «إذا نظرت إلى مجموعة العناصر الأساسية فلن تجد عنصرًا أفضل من البرون لتبدأ منه».

ذرات البورون ترتبط مع بعضها بقوة ويمتلك العنصر درجات انصهار عالية؛ لذلك فهو من الأشياء القاسية.

بدأ وانغ وزملائه بوضع مجموعاتٍ من ذرات البورون مع بعضها لرؤية الأشكال التي قد يشكّلها وهي تترابط مع بعضها، هذه العملية تطلبت منهم استخدام الليزر لإزاحة الإلكترونات من المجموعات.

يمكن استخدام سرعة قذف الإلكترونات لتحديد كيف كان الأمر عندما اتحدت الذرات مع بعضها ضمن مجموعات، مما يُمكّن الباحثين من تحديد التركيب الذي يطلقون عليه اسم (بوروسفيرين – Borospheren).

عندما ترتبط 39 ذرةً أو أقل من ذرات البورون مع بعضها فإنّهم يشكلون بنيةً مسطحةً، ولكن عند اتحاد 40 ذرةً يصبح الشكل كرويًّا كالقفص،كما أشار الباحثون في مجلة (Nature Chemistry).

اكتشف وانغ وفريقه أيضًا أنّ بعض أشكال البورون المسطحة يمكن أن تكون مفيدةً جدًا، ففي بحثٍ نُشرَ في كانون الثاني من عام 2014 وجد العلماء أنّ 36 ذرةً من البورون ستشكل قرصًا مع فتحةٍ سداسيةٍ في الوسط، وهو ترتيب – من الناحية النظرية – سيجعل تشكّل صفيحة من البورون بسماكة ذرةٍ واحدةٍ أمرًا مُمكنًا.

إذا كانت صفيحة كهذه يمكن إنشاؤها فستكون المُكافئة للغرافين – وهو عبارة عن صفيحةٍ بسماكة ذرةٍ واحدةٍ من جزيئات الكربون – حيث يحمل الغرافين وعدًا عظيمً للتكنولوجيا لأنّه ناقل رخيص وقوي ومرن.

نسخة البورون من الغرافين – أو (البوروفين – Borophene) كما يطلق عليها وانغ و زملاؤه – قد يكون لها استخدامات مُشابهة كناقلٍ حراريٍّ وكهربائيٍّ، ولكنّ الباحثين غير متأكدين بعد؛ لأنّهم يحتاجون لصنع صفائحٍ حقيقيةٍ من البوروفين أولًا، وبعدها عليهم اختبار خصائصها.

قال وانغ: «أحيانًا عندما تذهب إلى المختبر وتقوم بفعل أشياءٍ كهذه، فإنّ الطبيعة لها طريقتها الخاصة بكشف الأمور».

 

تدقيق رند عصام

المصدر