نحن لا نعيش داخل ثقب أسود، لكن ذلك لا يُلغي احتمالية أنّ كوننا قد نشأ من واحد بالفعل.

الثقوب السوداء مشهورة بقدر ما هي مخيفة، مناطق ذات جاذبية لا نهائية، حيث يصبح الهروب مستحيلًا.

تكوين الثقب الأسود بسيط نسبيًا، تحتاج فقط إلى ضغط كمية كافية من الكتلة تحت حجم معين، وبمجرد تجاوز هذا الحجم، تسيطر الجاذبية وتتغلب على جميع القوى الأخرى، فيتكون بذلك ثقب أسود.

يعتمد ذاك الحد على كمية الكتل التي تحاول ضغطها معًا. بالنسبة للإنسان العادي، يكون هذا الحد بحجم نواة الذرة، أما بالنسبة للكرة الأرضية فإذا كنت تحاول ضغط كل شيء فيها في حجم حبة حمص ستحصل على ثقب أسود بحجم حبة الحمص تلك.

بالنسبة لنجم نموذجيّ يَزِنُ أضعاف كتلة الشمس، فإن الثقب الأسود الناتج سيكون بقطر يصل إلى عدة أميال بحجم مدينة عادية.

ومن الغريب أنك إذا قمت بجمع محتويات المادة في الكون بأكمله وحاولت ضغطها ببعضها لصنع أكبر ثقب أسود ممكن، فستحصل على ثقب أسود بحجم الكون تقريبًا.

للكون قاسمٌ مشتركٌ مع الثقوب السوداء:

من غير المتوقع، اشتراك كوننا بميزتين مع الثقوب السوداء؛ أفق الحدث الموجود في سطح الثقوب السوداء، وهو منطقة حول الثقب الأسود تمثل النقطة النهائية للاعودة، وتكون الجاذبية داخل أفق الحدث قويةً لدرجة أن الضوء نفسه لن يهرب.

للكون أفق حدث أيضًا والمعروف باسم أفق الحدث الكوني. هذا الأفق بعيد جدًا لأنه ناتج عن توسع الكون. إذ يكبر كوننا يومًا بعد يوم ما يعني أن المجرات الأبعد تبتعد عنا أسرع من المجرات الأقرب إلينا، والمجرات التي تبعد ضعف المسافة تتباعد بضعف السرعة والمجرات الأبعد بعشر مرات تتباعد أسرع بعشر مرات، وهكذا. لكن عند مسافة معينة ـ تقريبًا بعد 14 مليار سنة ضوئية – تبدو المجرات وكأنها تتحرك بعيدًا عنا بسرعة أكبر من سرعة الضوء.

لا يُعد هذا انتهاكًا لحدود سرعة الضوء، لأن الفضاء نفسه هو الذي يتمدد بدلاً من أن تتحرك المجرات، لكنه ما يزال يؤدي إلى أفق الحدث.

لن نكون قادرين أبدًا على السفر إلى المجرات الأبعد من 14 مليار سنة ضوئية، حتى لو كان لدينا كل الوقت في العالم، لأن الفضاء بيننا يتمدد كثيرًا بحيث لن نستطيع أبدًا مواكبتها؛ أي أن تلك المجرات محبوسة إلى الأبد بعيدًا عنا، مثلما هو الحال بالنسبة إلى الكون الخارجي بالنسبة لشخص سقط في ثقب أسود ولا يمكن الوصول إليه.

الميزة الثانية المشتركة بين الثقوب السوداء والكون هي وجود النقطة المتفردة؛ وهي نقطة كثافة لا نهائية، حيث تنهار الجاذبية تمامًا في كل جزء من المادة في نقطة لا نهائية صغيرة للغاية.

لنكن واضحين تمامًا، نحن لسنا متأكدين بالضبط ما هي النقطة المتفردة، لأن فهم النقاط المتفردة يتطلب وصفًا كميًا للجاذبية؛ بمعنى آخر، يتطلب الأمر نظريةً للجاذبية تعمل على مقياس صغير للغاية ونحن لم نطور مثل هذا الوصف حتى الآن.

تحتوي الثقوب السوداء على نقطة التفرد في مراكزها، فهي المكان الذي يذهب إليه كل ما صنع الثقوب السوداء.

نتيجةً لِلطبيعة الغريبة للجاذبية والهندسة داخل الثقب الأسود، فبمجرد عبور أفق الحدث، ستصل إلى نقطة التفرد في زمن محدد بغضّ النظر عن مقاومتك لها.

يمتلك كوننا نقطة تفرد أيضًا، ونسميها الانفجار العظيم. قبل حوالي 13 مليار سنة، ضُغِطَت كل المادة في كوننا إلى نقطة لا متناهية في الصغر، ومن هنا توسعت، وما بقي تاريخ. ثمّ تطورت الجسيمات والذرات والنجوم والمجرات والكواكب والبشر.

ربما لا يعني ذلك الكثير:

على الرغم من امتلاك كوننا نقطةً متفردةً وأفق الحدث، فإنه للأسف لا يتطابق تمامًا مع وصف الثقب الأسود، إذ تكمن المشكلة في طبيعة النقطة المتفردة.

بالنسبة لثقب أسود، تكون النقطة المتفردة في مكان محدد دقيق في الفضاء. في المقابل، لا توجد نقطة التفرد للانفجار العظيم في مكان معين في المكان، بل توجد في مكان معين في الزمان. إذ إن نقطة التفرد للانفجار العظيم والمعروفة أيضًا بنقطة التفرد الكونية، لا توجد في مكان معين في الكون يمكننا الإشارة إليه، ولا يمكننا الوصول أو السفر إليها؛ إنها موجودة فقط في الماضي بالنسبة لكل كيان في الكون.

قد يبدو هذا جدليةً صغيرة، لكن في معادلات الجاذبية، يُعد ذلك أمرًا كبيرًا. لأن نقطة التفرد للانفجار العظيم ونقاط التفرد في الثقوب السوداء هي أشياء مختلفة أساسًا؛ تتصف بسلوك مختلف جذريًا، ويعني هذا الاختلاف أنه ليست هناك أي طريقة يمكننا من خلالها العيش داخل ثقب أسود عملاق بحجم الكون، لأن نقطة التفرد في الثقب الأسود لا تشبه بأي شكل من الأشكال نقطة تفرد الانفجار العظيم.

ربما ما يزال هناك رابطٌ مفاجئٌ بين كوننا والثقوب السوداء:

وجود النقطة المتفردة في الانفجار العظيم قد يمثل شيئًا آخر. الحقيقة هي أننا لا نفهم حقًا ما يحدث في مركز الثقب الأسود، لأننا نفتقر إلى التطور في نظرياتنا للجاذبية لفهم الطبيعة الحقيقية للنقطة المتفردة. وبعض المحاولات لمعرفة ما قد يحدث في مركز الثقب الأسود، أدّت إلى نظريات مثيرة بعض الشيء.

من المرجح أن النقط المتفردة ليست نهاية القصة؛ إنها ليست مجرد كتل مضغوطة للمادة مطلقًا، فعند مقاييس صغيرة للغاية قد تصبح الفيزياء شديدة الغرابة، ولا تشبه مُطلقًا ما نعرفه.

قوة الجاذبية الهائلة المقترنة بعمليات ميكانيكا الكم قد تؤدي إلى عدم استقرار هائل في هيكل الزمكان نفسه. فقد تزداد هذه الاضطرابات الهائلة وتؤدي إلى تكوين فقاقيع منفصلة تمامًا عن الكون الذي يحتضن الثقب الأسود الأصلي.

ستكون لهذه الفقاقيع تمدد وانفجارات كبيرة، منعزلةً عن أي شيء آخر. أي ستكوّن هذه الفقاقيع عوالمها الخاصة، مفصولةً عن الكون الأصلي الذي أنشأها.

هذه فكرةٌ مثيرة إلى حد كبير؛ إمكانية أن يكون كوننا قد تشكّل من الفوضى الكمية داخل ثقب أسود في كون آخر. إنها أيضًا فرضية غريبة للغاية؛ إنها فكرة مثيرة تعتمد على فيزياء متزعزعة وغير مؤكدة. ومع ذلك، لا نعرف ما يكفي عن طبيعة النقاط الفردية لكي نستبعدها تمامًا، لذلك في الوقت الحالي، هي بالتأكيد ممتعة للتفكير فيها.

اقرأ أيضًا:

ولادة ثقب أسود جديد تسبب حدوث انفجارات في الفضاء تعد الأكثر لمعانًا على الإطلاق

هل يمكن لثقب أسود أن يبتلع الكون بأكمله؟

ترجمة: محمد فواز السيد

تدقيق: منال توفيق الضللي

المصدر