الورق والبلاستيك تمكن إعادة تدويرهم عددًا محدودًا من المرات، أما المعادن والزجاج فتُمكن إعادة تدويرهم دون حدود. ارفع رأسك عن الشاشة وانظر حولك، ماذا ترى؟ ابحث عن خمسة أشياء ليست مصنوعة من إحدى هذه المواد: المعدن والبلاستيك والورق والزجاج. مهمة صعبة أليس كذلك؟ هذه المواد الأربعة اندمجت في حياتنا اليومية بعمق كبير إذ لا نفكر بوجودها. ماذا يحدث عندما نرميها في القمامة؟ في نظرنا تنتهي عملية التدوير في سلة القمامة، وفي معظم الحالات في مكب نفايات المدينة التي نعيش فيها. لحسن الحظ بعض هذه المواد تجد طريقًا آخرًا ينتهي بإعادة التدوير.

كانت شعارات «ترشيد الاستهلاك، إعادة الاستخدام، إعادة التدوير» موجودةً لعقود، لكن لماذا نحن بحاجة إلى الترشيد وإعادة الاستخدام؟ لماذا لا نعيد تدوير كل شيء؟ ببساطة لأنه لا يمكننا إعادة تدوير كل شيء!

توجد بضعة قيود لإعادة التدوير، بعض عمليات التدوير تستهلك طاقة أكثر من عمليات التصنيع نفسها. إعادة تدوير المواد المحتوية على معادن ثقيلة قد تكون خطرة، وتتضمن بعض القيود الأخرى التكلفة وتدريب الجهات الحكومية المختصة. يمكننا التغلب على هذه العقبات باستخدام التكنولوجيا المتقدمة وتحسين سياسات التخطيط أو كليهما. لسوء الحظ، القيود الكيميائية لإعادة التدوير تُمثل مشكلةً حقيقية.

ما القيود الكيميائية؟

كل شيء في عالمنا، سواء من صنع البشر أو الطبيعة، مكون من مواد مختلفة، جميع هذه المواد خواصها الجزيئية مختلفة.

عمليًّا، التدوير المخفّض هو عملية إعادة التدوير لمادة ما إلى منتج ذي جودة وكفاءة أقل من المادة الأصلية. مثال ذلك، استخدام قوارير البلاستيك لصنع مقاعد الحدائق، مع أن التدوير المخفّض يبدو الخيار الأقل تفضيلًا لكنه يساعد على استخدام المواد مدةً أطول.

إضافةً إلى ذلك، فإنه يقلل من استهلاك المواد الخام ويخفّض من كمية الطاقة المستخدمة، وانبعاث الغازات الدفيئة وتلوث المياه والهواء. بعض المواد مثل البلاستيك والورق تمكن إعادة تدويرها عددًا محدودًا من المرات، في حين يمكن تدوير مواد أخرى مثل المعدن والزجاج تدويرًا غير محدود.

ما يحدد إمكانية تدوير المادة عدة مرات هو البنية الجزيئية لهذه المادة. الورق والبلاستيك يتكونان من وحدات متكررة من المادة تُسمى بوليمرات، أما المعادن فتتكون من ذرات أو جزيئات في أشكال محددة تكوّن البلورات.

لماذا قابلية الورق لإعادة التدوير منخفضة؟

يتكون الورق من السيليلوز، الذي يتألف من وحدات متكررة من غلوكوز السكر البسيط، عندما يُعاد تدوير الورق، فإنه يمر بعدد من العمليات الفيزيائية والكيميائية. يُقطّع الورق في البداية إلى قطع صغيرة، ثم يحوّل إلى لب، تتضمن هذه المرحلة التسخين لتحليل الورق إلى ألياف، عند الانتهاء من إزالة الملوثات مثل الغراء ومشابك الورق، تبدأ مرحلة إزالة الحبر من اللب.

تُزال جزيئات الحبر الكبيرة باستخدام طريقة التعويم، أما الجزيئات الصغيرة فتُزال بإضافة مواد كيميائية. ومع انتهاء هذه المرحلة يتعرض اللب للضرب، لتزغيب الألياف (فصل الألياف لتسهيل عملية إنتاج الورق الجديد). وأخيرًا يُبيّض الورق باستخدام الأكسجين وثاني أكسيد الكلور أو ماء الأكسجين.

إعادة التدوير - جزيء الغلوكوز وبوليمر السيليلوز

جزيء الغلوكوز وبوليمر السيليلوز

لو نظرت إلى ورقة جديدة باستخدام المجهر، سترى مجموعة من ألياف السيليلوز المتشابكة. وأيضًا إذا نظرت إلى ورقة ممزقة عبر مجهر إلكتروني ستتمكن من رؤية الألياف المهترئة. مع كل مرحلة معالجة يمر بها الورق، فإن ألياف السيليلوز تتمزق ويُعاد توزيعها. في حال عُولِج الورق عدة مرات سيفقد بنيته عدة مرات أيضًا، إن عمليات التسخين والضرب وإضافة المواد الكيميائية تُضعف ربط جزيئات الغلوكوز وتقصّر الألياف.

وعلى هذا، بعد كل عملية إعادة تدوير، تقل فائدة الورق عن قيمته الأساسية، لذا تُمكن إعادة تدوير الورق 4 – 6 مرات فقط. يُستخدم الورق المعاد تدويره في صنع المناشف الورقية وأوراق المراحيض ومواد التغليف.

على اليسار ألياف متشابكة من السيليلوز، على اليمين ألياف مهترئة من السيليلوز بعد تعريضها لجهد ميكانيكي

على اليسار ألياف متشابكة من السيليلوز، على اليمين ألياف مهترئة من السيليلوز بعد تعريضها لجهد ميكانيكي

ماذا عن البلاستيك؟

البلاستيك، مثل الورق، مكون من بوليمرات. يوجد نوعان أساسيان من البلاستيك: البلاستيك الحراري واللدائن الحرارية. البلاستيك الحراري يمكن تذويبه وإعادة تشكيله عند التسخين، لا تترابط جزيئات البلاستيك الحراري، بل تتماسك معًا عبر قوى فان دير فالس. تتحطم هذه الروابط عند تعريضها للحرارة، ما يجعلها قابلة لإعادة التدوير. يمكن تصنيف البولي فينيل كلوريد (PVC) والنايلون ضمن هذه المجموعة.

أما عند تسخين اللدائن الحرارية، فتتشكل روابط قوية فيما بينها، تحتفظ معظم اللدائن الحرارية ببنيتها حتى عند تعرضها للحرارة، ما يصعب إعادة تدويرها. مما يزيد صعوبة تدوير البلاستيك تلوثه، إذ يميل البلاستيك إلى امتصاص القليل من أي مادة يحتويها، يُحوَّل معظم البلاستيك المُعاد تدويره مرة واحد إلى ألياف. يمكن استخدام البلاستيك المعاد تشكيله لصنع أغطية القوارير، فيتحول في النهاية إلى ألياف غير قابلة لإعادة التدوير.

إعادة التدوير - البلاستيك الحراري (يسار): روابط ضعيفة بين سلاسل البوليمر، لا يوجد تشابك بين السلاسل، تلين عند التسخين. اللدائن الحرارية: (يمين): روابط تساهمية قوية بين سلاسل البوليمر، تبقى صلبة عند التسخين

البلاستيك الحراري (يسار): روابط ضعيفة بين سلاسل البوليمر، لا يوجد تشابك بين السلاسل، تلين عند التسخين. اللدائن الحرارية: (يمين): روابط تساهمية قوية بين سلاسل البوليمر، تبقى صلبة عند التسخين

لماذا تمكن إعادة تدوير المعادن دون حدود؟

تُشكل المعادن 24% من كتلة الأرض، تملك خصائص فريدة، يمكن طرقها لتتحول إلى صفائح أو تمديدها للتحول إلى أسلاك، بنيتها قوية وتستطيع نقل الحرارة والكهرباء، ترجع خواصها الفريدة إلى بنيتها الجزيئية.

لتكون المادة قوية يجب أن تكون الروابط بين ذراتها قوية ولا تتحطم عند تطبيق قوى خارجية عليها. تتعرض المعادن للطرق والسحب لتكوين أشكال مختلفة، ما يعني أن الذرات حرة الحركة ضمن البنية.

تملك المعادن ما يُسمى الروابط غير المتمركزة، أي إن إلكترونات التكافؤ لكل ذرة معدن تتشارك أساسيًّا مع باقي الذرات، يوجد بحر من الإلكترونات التي تتفاعل مع جميع ذرات المعدن بطريقة موحدة. الذرات في المعدن تتراص بمسافة صغيرة جدًا فيما بينها، وتوجد عدة أوضاع، بعضها مبين في الصورة بالأسفل.

ترتيب الذرات في بلّورة

ترتيب الذرات في بلّورة

البلورة هي أصغر وحدة متكررة في هذه الأوضاع. أحيانًا تحتوي البلورات فراغًا فيما بينها إذ تكون ذرة مفقودة. هذه التكافؤات تصنع خطوطًا غير متناظرة من الروابط تُسمى الاضطرابات. عند تطبيق جهد على المعدن، تكون هذه الاضطرابات أكثر تأثرًا، فتكوّن روابط غير موجودة في المعادن. تتحرك الاضطرابات بسهولة عند تذويب المعادن، لذلك يبطل الجهد الحراري هذه الترتيبات، وعند التبريد يُعاد تشكّل البورات، وعلى هذا تعود البنية إلى طبيعتها، وتمكن إعادة تدوير المعدن دون حدود.

الاضطرابات

الاضطرابات

حركة الاضطرابات داخل البلورة

حركة الاضطرابات داخل البلورة

الزجاج، مثل المعدن، يملك بنية بلورية وتمكن إعادة تدويره دون حدود. لأن الأنواع المختلفة من الزجاج تملك نقطة ذوبان مختلفة، يجب أن يُعاد تدوير كل نوع منفصلًا.

إعادة تدوير الأشياء بأمان وفعالية ليس بالأمر السهل، لكن مع حجم النفايات التي ننتجها، فإن ترشيد الاستهلاك لن يحل المشكلة. نحن بحاجة إلى عمليات إعادة تدوير أكثر فاعلية وأقل استهلاكًا للطاقة وأكثر صداقة للبيئة. ترشيد الاستهلاك وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير هي بالطبع أفضل الخيارات حاليًا، لكننا بحاجة إلى الاستمرار في البحث عن طرق مبتكرة لإدارة مخلفاتنا في المستقبل.

اقرأ أيضًا:

البلاستيك والقمامة وإعادة التدوير، مشكلة تتعدى موضوع تغليف أو تعبئة

ما معنى تدوير النفايات الإلكترونية ؟

ترجمة: حسين عباس

تدقيق: تسبيح علي

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر