يعمل الشخص جاهدًا للحصول على الوظيفة التي لطالما حلم بها. وبعد المحاولات الكثيرة يحصل على الفرصة التي انتظرها طويلًا. ولكن في أثناء مصافحة الشخص الذي قد يقرر مستقبله يكتشف أن كل هذا العمل الجاد قد لا يهم حقًا، ففي الثانية التي وقعت بها عين المسؤول عليه قرر أنه غير جدير بالثقة ولن يحصل على هذه الوظيفة أبدًا، لأنه لسوء الحظ أحد الأشخاص الذين يحكمون على الشخص بناءً على الملامح والمظهر الخارجي.

أنشأت عالمة النفس ليزا دي بروين وزملاؤها مجموعة من الصور المركبة، وكل صورة كانت تجمع بين أربعة وجوه مختلفة.

الصور لم تكن حقيقية، ولكن قد يتخذ بعض الأشخاص عند النظر إليها قرارًا سريعًا ما إذا كان هذا الشخص جديرا بالثقة أم لا بناءً على المظهر الخارجي فقط.

دائمًا ما نميل إلى إصدار أحكام سريعة حول مقدار الثقة الواجب منحها لكل شخص، أو تكوين انطباع أولي عنهم وعن مدى هيمنتهم، أو كيف سيكون ذكاؤهم مفيدًا في تقييم شخصياتهم.

للأسف، قد يؤدي هذا إلى انتشار الصورة النمطية. مثلًا، التفكير أن الأشخاص الذين يتمتعون بخاصية جسدية معينة قد يكونون جميعهم غير جديرين بالثقة.

أحكام قاسية

تُشير الأبحاث الأخيرة التي أجراها باحثون في اليابان إلى أمرٍ مثير للقلق جدًا، وهو أن البعض قد يميلون إلى تكوين صورة جوهرية عن الأشخاص ونواياهم الداخلية بناءً على المظهر الخارجي وملامح الوجه فقط.

في سلسلة من الدراسات عبر الانترنت مع أكثر من 300 مشارك، أنشأ أتسونوبو سوزوكي وزملاؤه ما يسمى معرفة السمات الشخصية بناءً على ملامح الوجه (FBTIs)، وضِعَت هذه السمات وفقًا لسلسلة من الأحكام الشخصية بعد إلقاء نظرة سريعة على وجوه الأشخاص. في حين أن معظم الأشخاص يتوافقون قليلًا مع سمات FBTIs، وجدوا أن البعض يصدرون أحكامًا متطرفة شديدة (إيجابية وسلبية)، وقد يحكمون على الآخرين بناءً على العمر والجنس والعرق.

يقول سوزوكي وزملاؤه: «تخيل أنك ترى وجهًا معينًا، ربما بعيون متيبسة وملامح ذكورية، وتحصل فورًا على انطباع أن هذا الشخص غير جدير بالثقة إطلاقًا. أو أن الشخص الذي يتمتع بسماتٍ أنثوية أكثر ويمتلك عيونًا أكبر غير كفء. إن هذا يمثل مشكلة بالفعل».

مواجهة المشكلة

من المعلوم أن التحيز غير الواعي منتشر بكثرة، ويؤثر في طريقة اتخاذ القرارات. وفقًا لدراسة أُجريت عام 2018 فقد أُرسِلت نسخ من سيرٍ ذاتية متطابقة تقريبًا للتقدم للعمل في 50 وظيفة مختلفة. كان الاختلاف الوحيد هو الاسم الموجود في السير الذاتية: إذ كان اسم آدم سميث على أحدهما ورافيندرا ثالوال على الآخر. تلقى رافيندرا ما يقارب نصف الردود مقارنة مع نظيره ذي الاسم العادي.

يخبرنا ألكسندر تودوروف، أحد الشخصيات البارزة في أبحاث الانطباع الأول، أنه بالوسع التنبؤ بهذه الأحكام السريعة ولكنها غير دقيقة. ونعلم أيضًا أن الانطباعات الأولى يصعب التخلص منها عادةً. لذلك قد يعني هذا أن الأشخاص الخطأ دومًا ما يأخذون الوظائف الجيدة، أي أن أغلبهم لا يكون مناسبًا للعمل واخْتير وفقًا لسمات معينة قد لا تكون مهمة.

مشكلة التحيز غير الواعي هو أنك لا تدرك أنك تنحاز لشخصٍ ما في معظم الأوقات، ما دفع بعض الشركات على الإصرار على تدريب التحيز غير الواعي (مع أن بعض الناس ما زالوا يرفضونه). ولا يعد التدريب حلًا شاملًا للتحيز، لكن التدخلات الصغيرة قد تساعد على تغيير مواقف الناس والنظر للأمور بموضوعية أكثر.

من الممكن تصميم تدريب على التحيز غير الواعي للأحكام المسبقة ضد الخصائص الجسدية الأخرى مثل العرق والجنس والوزن. لكن يبدو أن ملامح الوجه هي صورة نمطية تتعدى الأعراق والجنس والمظهر الخارجي.

قد يكون أحد الحلول هو جعل الناس يدركون أنهم يظهرون (FBTIs) متطرفًا بإجراء اختبار مشابه لتجربة سوزوكي. أظهرت الأبحاث أن إدراكك لتحيزاتك قد يؤدي إلى تغيير طريقة التفكير على المدى القصير، لكن الناس يحتاجون إلى تدخلات إضافية باستمرار لجعل أي تغيير حقيقي في السلوك يدوم.

أن تجعل شخصًا ما يدرك أنه يصدر أحكامًا متطرفة على الشخصية بناءً على مظهر الوجه والمظهر الخارجي قد يكون كافيًا لتغيير تحيزه غير الواعي. سنضطر بالتأكيد إلى المحاولة، وإلا فقد يكون أحدنا الضحية التالية للتحيز مستقبلًا.

اقرأ أيضًا:

خمسة أساليب لتنمية صورة ذاتية جيدة لأطفالك

مدى تأثير النميمة و الإشاعات في حكمنا على الأشخاص

ترجمة: فاطمة الرقماني

تدقيق: نور عباس

مراجعة: محمد حسان عجك

المصدر