في الآونة الأخيرة، اكتُشف ثقب أسود فائق الكتلة ربما يغير فهمنا بشأن تشكل الثقوب السوداء في الفترات المبكرة من كوننا. في 24 فبراير عام 2023، نشر باحثون اكتشافهم لثقب الأسود موجود في مركز مجرة COS-87259، تشكل بعد 750 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم، ورُصد من مصفوف مرصد أتاكاما المليمتري الكبير في تشيلي، وحجمه في السماء لا يتجاوز 10 أضعاف حجم البدر.

كان هذا الثقب محجوبًا عنا بسبب الغبار النجمي، واتضح أنه يستهلك جزءًا من قرص التراكم حوله في حين يقذف البقية لتسير بسرعة تقارب سرعة الضوء، مكونة منطقة غازية ساخنة متوهجة حول الثقب الأسود تُسمى الكوازار أو النجم الزائف.

يقترح الباحثون أن هذا العملاق الكوني مجرد واحد من آلاف الثقوب السوداء التي نشأت في كوننا المبكر والتي يحجبها عنا الغبار النجمي.

كان شرح احتمالية وجود عشرات الكوازارات في كوننا المبكر تحديًا واجهه علماء الفلك؛ نظرًا إلى أننا كنا نظن أن تشكلها يأخذ وقتًا، وتشكلها بعد الانفجار العظيم بفترة وجيزة يُعد أمرًا شبه مستحيل نوعًا ما. قال المؤلف الرئيسي للدراسة ريان أندلسي، وهو عالم فلك في جامعة تكساس: «إذا كانت الثقوب السوداء المبكرة أكثر شيوعًا مما كنا نظن، فإن هذا سيؤدي إلى تفاقم المشكلة».

تتشكل الثقوب السوداء من انهيار النجوم العملاقة، وتنمو بلا توقف بالتهام الغبار والنجوم وباندمجها مع ثقوب سوداء أخرى، وإن كانت كبيرة بما فيه الكفاية، فإنها تشكل قرص تراكم كبير يدور حولها بسرعة تقارب سرعة الضوء، ويسخن هذا القرص بسبب الاحتكاك، فيتحول الثقب الأسود إلى أشباه النجوم أو الكوازارات التي تشع أكثر من إشعاع النجوم العادية بتريليون مرة.

يسير الضوء بسرعة ثابتة في الفراغ، فكلما تعمق علماء الفلك في النظر في الكون، عرفوا ماضيه أكثر فأكثر. وتشير عمليات المحاكاة لفجر كوننا بعد تشكله بمليار سنة إلى أن سحب غازية باردة ربما اندمجت مع بعض النجوم العملاقة التي مصيرها الانهيار السريع مكونة ثقوبًا سوداء، وربما هذه الثقوب اندمجت مع ثقوب أخرى لتشكل ثقوبًا فائقة الكتلة.

لكن كيف نشأت هذه الثقوب في ظل الفوضى العارمة في فجر كوننا؟

يُعد هذا لغز حير علماء الكونيات، فهو أمر متعلق باحتمالية تشكل الآلاف من هذه الوحوش الكونية بعد تشكل كوننا بفترة وجيزة، أو بسياق آخر، 5% من عمر الكون الحالي.

اقترحت إحدى الأوراق البحثية أن الكوازارات هي أسهل الثقوب السوداء التي قد تُرصد، لذا فهي على الأرجح بمثابة نور وسط ظلمات من آلاف الوحوش الكونية المختبئة في فجر كوننا.

يشير هذا إلى وجود ثغرة في فهمنا لتشكل المجرات الأولى في كوننا. ففي 22 فبراير عام 2023، حلل علماء فلك في مشروع جيمس ويب بيانات لمجموعة مكونة من ست مجرات عملاقة تتراوح أعمارها بين 500 إلى 700 مليون سنة فقط بعد الانفجار العظيم.

قد يعود تفسير هذا إلى كمية السحب الغازية أو السدم ونشاطهما في كوننا المبكر حيث تشكلت الكثير من النجوم التي بدورها تتحول إلى العديد من الثقوب السوداء.

وُجدت نجوم في بعض المجرات في الكون المرئي تنمو وتتحول إلى ثقوب سوداء بسرعة، فمثلًا مجرات الانفجار النجمي التي كانت تشكل نجومًا أسرع ب1600 مرة مما تفعله مجرتنا اليوم، وفي 22 أبريل عام 2022، اكتُشف ثقب أسود سريع النمو يُسمى GNz7q ينتمي للمجرة نفسها وبنفس عمر مجرة COS-87259.

يُعد زمن تشكل الثقوب السوداء في كوننا المبكر أمرًا صادمًا لعلماء الفلك، ويدفعنا للتفكير والتساؤل: هل سنعيد صياغة مفاهيمنا بشأن كوننا المبكر وتشكل الثقوب السوداء والمجرات الأولى أم لا؟

اقرأ أيضًا:

نظرية فيزيائية جديدة تقترح أن الطاقة المظلمة أصلها من الثقوب السوداء

باحثون يعلنون عن الخريطة الكونية الأكثر دقة في تاريخ الكون!

ترجمة: هاجر احكى

تدقيق: هادية أحمد زكي

مراجعة: لبنى حمزة

المصدر