الجهود الصينية الضخمة لتقليل تلوث الهواء أدت إلى عواقب غير متوقعة في القطب الشمالي!
كثفت الصين جهودها لخفض انبعاثات الهباء الجوي، وبحسب دراسة جديدة، يبدو أن لنجاحها فوائد أخرى غير متوقعة إلى جانب حقائق أكبر تتعلق بتغير المناخ، فما الذي يحدث؟
ظهر الأثر واضحًا في القطب الشمالي، إذ تراجعت العواصف التي يغذيها الهباء الجوي -الجسيمات الدقيقة التي تشكل الضباب الصناعي- ما قلل بالنتيجة من فقدان الجليد البحري، لكن الخبراء يرون أن هذا الانخفاض ربما ساهم بتسريع الاحتباس الحراري.
تواصل موقع لايف ساينس مع بيورن سامسيت، من مركز سيسيرو للأبحاث المناخية الدولية في النرويج، إذ قال: «عانى الشعب الصيني من حالة تلوث الهواء الشديد على مدى عقود. وقد أدى هذا التلوث إلى إبطاء الاحتباس الحراري مؤقتًا، ما منحنا نحن البقية مزيدًا من الوقت للتكيف مع مناخ أدفأ. ما يحدث الآن هو أننا نشهد الآثار الكاملة للاحتباس الحراري الناجم عن الغازات الدفيئة، وهو ما كنا سنواجهه عاجلًا أم آجلًا على أي حال».
في أواخر يناير 2019، تغيرت أنماط الرياح فوق شمال المحيط الهادئ، واجتاحت سلسلة من خمسة أعاصير قوية بحر بيرينغ في تتابع سريع. وقد دفعت كل عاصفة رياحًا جنوبية دافئة عبر الجليد، ما أدى إلى تكسيره ودفعه شمالًا. وارتفعت درجات حرارة الهواء في شمال بحر بيرينغ من 12 إلى 16 درجة مئوية أعلى من المعدل الطبيعي، وبحلول أوائل مارس تقلص الغطاء الجليدي بنسبة 82% ما يمثل تراجعًا بنحو 400,000 كيلومتر مربع، وهو أكبر انخفاض سجلته الأقمار الصناعية في ذلك الوقت من العام.
يعرف العلماء منذ فترة طويلة أن الأعاصير قد تدمر الجليد البحري في القطب الشمالي، لكن ما كانوا أقل يقينًا بشأنه هو ما الذي يدفع تلك العواصف إلى هناك في المقام الأول.
تقدم الدراسة الجديدة إجابةً غير متوقعة، ففي الفترة ما بين عامي 2000 و2014، ربما كان الضباب الدخاني المتصاعد من مداخن المصانع الصينية يدفع العواصف الشتوية شمالًا عبر شمال المحيط الهادئ، ما أدى إلى توجيه المزيد منها نحو القطب الشمالي وتدمير الجليد في بحر بيرينغ.
لفهم كيفية تأثير جزيئات السخام والكبريتات الموجودة بكثرة في هواء شنغهاي المتلوث في الجليد قبالة سواحل ألاسكا، من المفيد التفكير فيما يحدث داخل العاصفة. تتشكل الأعاصير الدوامة في خطوط العرض الوسطى وتولد معظم الطقس الشتوي في نصف الكرة الشمالي، والحرارة هي ما يحرك كلًا منها، إذ يتبخر الهواء الدافئ الرطب بالقرب من سطح المحيط، ثم يرتفع ويتكثف مكونًا السحب، ويطلق حرارةً تغذي دوران العاصفة.
يعمل الهباء الجوي على تعطيل هذه الآلية بطريقة خفية لكنها ذات تأثير كبير. عادةً ما يتكثف بخار الماء حول عدد قليل نسبيًا من الجسيمات، مكونًا قطرات كبيرة تتساقط بسرعة على شكل مطر على الجانب الجنوبي للعاصفة. لكن إذا كان الهواء مليئًا بالهباء الجوي، فإن كل جسيم يصبح نواةً لقطرة سحابية. وينتج عن ذلك عدد هائل من القطرات الصغيرة التي لا تتجمع بسهولة لتشكل قطرات المطر. يكبح هذا هطول الأمطار على الجهة الجنوبية من العاصفة، وتنتقل الرطوبة لمسافة أبعد على طول الحزام الناقل للعاصفة نحو الجانب الشمالي الشرقي، حيث تطلق حرارتها في المكان المناسب تمامًا لدفع النظام بأكمله نحو القطب.
قاد ديانبين كاو من معهد أبحاث هضبة التبت التابع للأكاديمية الصينية للعلوم فريق البحث، وعملوا على دمج أربعة عقود من بيانات الرصد مع محاكاة نماذج مناخية لدراسة كيفية تأثير مستويات الهباء الجوي فوق شرق آسيا على مسارات الأعاصير الشتوية عبر شمال المحيط الهادئ. وبمقارنة 14 عامًا من ارتفاع تركيز الهباء الجوي بين عامي 2000 و2014 بـ15 عامًا من انخفاض تركيز الهباء الجوي في العقود السابقة، وجد الباحثون أن مسارات الأعاصير انحرفت بنحو 1.23 درجة شمالًا بحلول وقت تلاشي العواصف، وهو ما يكفي لمضاعفة عدد الأعاصير التي تعبر إلى القطب الشمالي تقريبًا.
قال أليكس كراوفورد، عالم المناخ القطبي الشمالي بجامعة مانيتوبا: «إن تأثير الهباء الجوي في أنظمة العواصف أقوى مما كنت أتوقع. لقد قاموا بعمل ممتاز في توضيح الآلية الممكنة لتأثير الهباء الجوي في الأعاصير غير الاستوائية».
عندما تصل هذه العواصف إلى بحر بيرينغ، قد تكون آثارها مدمرة، فالرياح التي تدور عكس اتجاه عقارب الساعة في الإعصار تدفع الجليد عائدةً به نحو بحر تشوكشي الواقع بين ألاسكا وروسيا، وهناك تفتت الأمواج الكتل الجليدية. وتجلب العواصف الجنوبية هواءً أدفأ بوسعه رفع درجات الحرارة فوق درجة التجمد حتى في ذروة الشتاء، وهذا ما حدث بحدة في عام 2019.
لكن يوجد جانب إيجابي محتمل، فقد أثبتت حملة الصين لمكافحة تلوث الهواء التي انطلقت عام 2013 أنها واحدة من أكثر التدخلات البيئية فعالية في التاريخ، إذ خفضت انبعاثات الهباء الجوي الكبريتي في البلاد بنحو 75% في غضون عقد تقريبًا. وتشير الدراسة إلى أن هذا الانخفاض قد يخفف من هجرة مسار العواصف نحو القطبين بسبب الاحتباس الحراري، ما يوفر على القطب الشمالي بعض الأضرار الناجمة عن الأعاصير خارج المدارية.
لكن الصورة الأكبر أعقد، فالهباء الجوي يبرد الكوكب أيضًا بعكسه للإشعاع الشمسي إلى الفضاء وجعل السحب أسطع، واختفائه يعني تلافي آثاره المبردة أيضًا، ما يكشف عن عقود من الاحتباس الحراري الناجم عن الغازات الدفيئة الذي كان مكبوتًا. وجدت دراسة عام 2025 بقيادة سامسيت أن انخفاض مستويات الهباء الجوي في شرق آسيا قد أدى إلى تسريع ملحوظ في الاحتباس الحراري العالمي. أي أن انخفاض مستويات الهباء الجوي الذي قد يخفف من الضغط الناجم عن الأعاصير على بحر بيرينغ يكشف في الوقت نفسه عن الآثار الكاملة للاحتباس الحراري.
ما زال غير واضح ما ستكون عليه تداعيات هذا الصراع المناخي على الجليد البحري في القطب الشمالي، لكن بحسب دان ويسترفيلت الذي شارك في دراسة 2025 بوصفه عالم الغلاف الجوي في مرصد لامونت-دوهرتي للأرض التابع لجامعة كولومبيا، قد يكون تأثير الاحتباس الحراري هو الغالب، إذ قال: «من المرجح أن يهيمن تأثير الاحتباس الحراري، لأنه أكثر استمرارية وقد يحدث خلال جميع الفصول، في حين أن التغييرات في مسار العواصف ربما تكون متقطعةً أكثر».
وقال ويسترفيلت إن الدراسة تشير إلى أن الهباء الجوي يؤثر في مناخ الأرض تأثيرًا أكبر وأعقد مما كان يُعتقد سابقًا. وأضاف: «لا يُعطى الانخفاض السريع في مستويات الهباء الجوي في شرق آسيا حقه من الاهتمام، فالتراجع في الانبعاثات الذي استغرق ثلاثة عقود في أمريكا الشمالية وأوروبا يستغرق عقدًا واحدًا فقط في شرق آسيا، وسيكون من المثير للإهتمام حقًا دراسة تأثير ذلك في الأعاصير والاحتباس الحراري في القطب الشمالي، وهو أمر بالغ الأهمية للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه».
المصادر:
الكاتب
سيزار ماضي
تدقيق
محمد حسان عجك
