تغير المناخ يؤدي إلى زيادة الاضطرابات الهوائية التي بدورها قد تهدد سلامة الرحلات الجوية
عُقِد مؤتمر الاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض في مايو 2025 في فيينا، وفيه قال العلماء إن الأدلة العلمية تتزايد عن دور الاحتباس الحراري في زيادة كبيرة في الاضطرابات الجوية، خصوصًا تلك الخطرة غير المرئية من قمرة القيادة التي قد تفاجئ الطيارين وتلحق الضرر بالطائرات.
يقول بول ويليامز بوصفه أستاذ علوم الغلاف الجوي ورئيس قسم أبحاث الطقس في جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة: «من المتوقع أن تتضاعف الاضطرابات الهوائية مرتين أو ثلاث مرات أو أربع مرات على بعض مسارات الطيران المزدحمة خلال العقود القليلة القادمة، وقد تتأثر مناطق التيار النفاث في كل من نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي».
قد تحدث الاضطرابات الجوية الصافية عند عدم وجود علامات مرئية على اضطراب الطقس، وغالبًا عند حدود الكتل الهوائية المتباينة أو بالقرب منها، وتتحرك في اتجاهات مختلفة وبسرعات متفاوتة؛ إذ قد تقذف الطائرات الكبيرة بصورة غير متوقعة نحو الأعلى ونحو الأسفل بمئات الأقدام، ما قد يؤدي إلى إتلاف هيكل الطائرة وإصابة الركاب وأفراد الطاقم.
وُثقت زيادة اضطرابات الهواء النقي وتغير المناخ طوال سنوات، وبدأ الباحثون أخيرًا فهم كيفية حدوثها وأسبابها، ما قد يساعد على تطوير طرائق جديدة للتنبؤ بها وتجنبها، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالتيارات النفاثة، وهي تيارات هوائية قوية في نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي توجه أنظمة الطقس والكتل الهوائية من الغرب إلى الشرق.
لكن ويليامز يرى أن دراسة كيفية تأثير تغير المناخ في سرعات الرياح في الغلاف الجوي العلوي لم تثبت فائدتها الكبيرة في فهم اضطرابات الهواء النقي؛ إذ تعد الرياح القصية الرأسية متغيرًا أكثر فائدة للباحثين، وهي الفرق في سرعة الرياح واتجهاها على ارتفاعات مختلفة.
أضاف ويليامز: «عندما ننظر في نفس مجموعات بيانات إعادة التحليل الثلاث لما كانت تفعله الرياح القصية، نلحظ زيادة واضحة بنحو 15% على مدى العقود الأربعة الماضية».
يقول ديفيد فاراندا بوصفه مدير أبحاث الفيزياء المناخية في مختبر علوم المناخ والبيئة التابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي: «يمكن مقارنة القص الرأسي للرياح في التيارات النفاثة بما يحدث عندما يبدأ نهر هادئ في التدفق بانحدار وتزداد سرعته، و قد يصبح تدفقه مضطربًا. لذلك، عند وضع قارب صغير في هذا النهر، سنلحظ اهتزازًا كبيرًا، وينطبق الأمر نفسه على الطائرات عندما تحلق خلال التيارات النفاثة المضطربة».
ينبع اهتمام فاراندا بالاضطرابات في الهواء النقي من شغفه في مرحلة الطفولة بكل من الطائرات والطقس، إضافة إلى تجربة شخصية مع رحلة عنيفة هزت الطائرة في طريق عودته من مؤتمر علمي في عام 2023، قال: «كانت الرحلة من لوس أنجلوس إلى شارلوت بعد مؤتمر الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي في سان فرانسيسكو؛ إذ شهدنا اضطرابًا هوائيًا صافيًا لأكثر من ثلاث ساعات، تخللته أحداث قاسية مثل فتح خزائن الأمتعة وتطاير الأمتعة بعيدًا. وقد أصابني ذلك بصدمةٍ نفسية».
المناطق المضطربة في التيار النفاث
قال فاراندا إن موجات التيار النفاث قد تبدأ من سطح الأرض. وأضاف: «لا توجد صخور أو منحدرات في الغلاف الجوي، لكن في الواقع، يمكن الشعور بمنحدرات الجرف القاري، أو جبال روكي، أو جبال الألب، أو جرينلاند. فعندما تحدث هذه التغيرات القوية في الارتفاع التي تُسبب اضطرابًا في الغلاف الجوي، قد تنتشر حتى مستوى تحليق الطائرات».
على هذا، فإن الموقع الدقيق لكل اضطراب يتغير باستمرار لأن التيارات النفاثة تتحرك في أنماط متموجة، وتتحرك أحيانًا مع دوائر كبيرة شمالًا وجنوبًا بسبب الفروقات الحرارية الإقليمية بين المناطق القطبية وبين المناطق المعتدلة.
قال فاراندا: «يحدث الاحتباس الحراري بصورة أسرع عند القطبين؛ إذ يُذيب الجليد ويؤثر أيضًا في درجات الحرارة على نحو مختلف في المحيطات والقارات. إضافة إلى ذلك، فإن تغير المناخ الناجم عن الاحتباس الحراري يؤثر في الأنماط المناخية التي تؤثر بالنتيجة في التيارات النفاثة».
وتحدث عن ويليامز أيضًا، فقال: «كان أول من فهم أنه إذا تأثرت التيارات النفاثة، فإن الاضطرابات الهوائية في هذه التيارات ستتأثر حتمًا، وبالنتيجة ستتأثر عمليات الطيران».
في عرضه التقديمي في مؤتمر الاتحادالأوروبي لعلوم الأرض، قال ويليامز: «من المهم دراسة القص الرأسي للرياح لأن الإشارة في البيانات أقوى بكثير مقارنة بالضوضاء».
أضاف وهو يُظهر صورة لطائرة نفاثة على الأرض فقدت محركها في اضطراب جوي شديد: «لماذا نهتم بالقص الرأسي للرياح؟ لأننا نطير من خلالها. استنادًا للبيانات فإنها تُظهر زيادة بنسبة 55% في الاضطرابات الجوية الشديدة منذ سبعينيات القرن الماضي، فضلًا عن أن النماذج المناخية تظهر أنه في ظل السيناريوهات الأكثر واقعية لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وتغير المناخ، فإن نقطة ساخنة في طبقة التروبوسفير العليا الاستوائية ستستمر في النمو، ما يعني تدرج حرارة أقوى في المناطق المعتدلة».
تعد البقعة الساخنة في طبقة التروبوسفير العليا منطقة تسخين معزز ناتجة جزئيًا عن ردود فعل بخار الماء، حيث يتصاعد الهواء الرطب الساخن من المحيطات الاستوائية. على هذا، فإن التكدسات الحرارية تزيد من تدرج الحرارة في المناطق القريبة من بعض أكثر مسارات الطيران ازدحامًا، ومنها ضمنًا المسارات عبر الأطلسي.
بحسب ويليامز: «إذا استمر الاحترار السريع، فإن الدراسات تُظهر أن القص الرأسي للرياح قد يزيد بنسبة 29% بحلول عام 2100، أو بنسبة 17% إذا انخفضت الانبعاثات العالمية إلى النصف بحلول منتصف القرن الحالي واستمرت في الانخفاض، ما يؤدي بالتأكيد إلى مزيد من الاضطرابات الهوائية في غضون السنوات القليلة القادمة».
أضاف فاراندا أن تجاربه الشخصية وأبحاثه المتعلقة باضطرابات الهواء الصافي لن تمنعه من الطيران، وأن القياسات الجديدة بأجهزة الطقس وزيادة الوعي بإمكانية حدوث مثل هذه الاضطرابات ستساعد على الحفاظ على سلامة معظم الرحلات الجوية. إضافة إلى أن التغييرات في تصميم الأجنحة وبناء الطائرات قد تجعلها أقل عرضة للخطر.
أكد فاراندا: «من حيث المبدأ، يمكن الطيران عبر هذه المناطق من دون عواقب في معظم الحالات، لكن مع توقعات باضطرابات جوية أكثر شدةً وتواترًا، من المهم الحفاظ على برامج الرصد، ففي ظل الوضع السياسي العالمي الجديد، يكثر الحديث عن تقليص عدد أدوات رصد الطقس والمناخ، ما يؤدي إلى توقعات جوية أسوأ، ومن المرجح أن يؤدي نقص عمليات رصد الطقس إلى تذبذب الرحلات الجوية».
المصادر:
الكاتب
ماسه فؤاد كريم

مراجعة
محمد حسان عجك

تدقيق
ريمي سليمان

ترجمة
ماسه فؤاد كريم
