دراسة جديدة تضع تفسيرًا محتملًا للسلوك الغامض لجسيم الميون
قضى الفيزيائيون السنوات العشرين الماضية وهم يتأملون اختلافًا ظاهريًا بين النتائج التجريبية والتنبؤات النظرية لخصائص الميون المغناطيسية، وهو الجسيم الأثقل الشبيه بالإلكترون، وقد ألمح هذا التباين إلى احتمال وجود قوة خامسة، لكن وفقًا لورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة Nature، فإن هذا الاختلاف ناتج عن خلل في الحسابات وليس عن فيزياء جديدة مثيرة، ما يعني أن النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات ما يزال صامدًا.
قال زولتان فودور بوصفه عالم فيزياء في جامعة ولاية بنسلفانيا وأحد مؤلفي الدراسة: «أُجريت كثير من الحسابات خلال 60 عامًا مضى، ومع ازدياد دقتها كانت تشير جميعها إلى وجود اختلاف وتفاعل جديد قد يقلب قوانين الفيزياء المعروفة … لكننا استخدمنا طريقة جديدة لحساب كمية الاختلاف، وأثبتنا أن هذا الاختلاف غير موجود، وأن التفاعلات المعروفة كافية لتفسير القيمة بالكامل».
يُعد الميون أحد جسيمات فئة اللبتونات وهو النظير الأثقل للإلكترون من الجيل الثاني، بينما يُعد جسيم تاو نظير الجيل الثالث، وهذا يجعل الميون حساسًا خصوصًا للجسيمات الافتراضية التي تظهر وتختفي في الفراغ الكمومي، إذ بوسعه التفاعل معها فترات وجيزة، ويُعد مهمًا للفيزيائيين لأنه خفيف بما يكفي ليتوفر بكثرة، وثقيل بما يكفي لاستخدامه في اختبار دقة النموذج القياسي.
يمتلك الميون مغناطيسًا داخليًا وزخمًا زاويًا يُعرف باللف المغزلي، وتشير القيمة g إلى النسبة بين قوة هذا المغناطيس الداخلي ومعدل دورانه، وعادة ما يدور المغناطيس ليتماشى مع المجال المغناطيسي كما تفعل البوصلة في مجال الأرض، لكن بسبب الزخم الزاوي لا يحدث ذلك، بل يؤثر المجال بعزم دوران يجعل الميون يدور حول محور المجال، وبسبب تفاعله مع الجسيمات الافتراضية تختلف قيمة g قليلًا عن القيمة الكلاسيكية (2) بنسبة 0.1%، ولهذا تُعرف باسم العزم المغناطيسي الشاذ للميون.
تُصمم تجربة الميون g-2 للبحث عن مؤشرات على فيزياء تتجاوز النموذج القياسي، وذلك بقياس دقيق للتذبذب الذي يحدث عند وضع الميون في مجال مغناطيسي نتيجة تأثير الجسيمات الافتراضية، وإذا اختلفت هذه القياسات عن التنبؤات النظرية فإن ذلك قد يشير إلى وجود فيزياء جديدة.
أظهرت النتائج النهائية التي أُعلنت عام 2006 وجود اختلاف مثير مع التنبؤات، إذ جاءت قيمة العزم المغناطيسي المقاسة أقل من المتوقع، ويُعد هذا الفرق إشارة بقوة 3.7 سيجما، وهي قيمة تُعد مؤشرًا قويًا لكنها لا ترقى إلى مستوى الاكتشاف الحاسم الذي يتطلب 5 سيجما.
لكن أمثال هذه الإشارات تظهر كثيرًا في فيزياء الجسيمات وتختفي غالبًا عند إضافة المزيد من البيانات، لذلك أعيدت التجربة في مختبر فيرمي للتحقق من هذا الاختلاف، وقد رفعت النتائج الجديدة الدقة إلى 4.2 سيجما، أي بالقرب من حد الاكتشاف، وحصلت التجربة على جائزة الفيزياء الأساسية (Breakthrough Prize in Fundamental Physics).
تركز القياسات الجديدة على تأثيرات القوة النووية الشديدة، وبالتحديد استقطاب الفراغ الهادروني الناتج عن تفاعل الكواركات والغلوونات وفق نظرية الديناميكا اللونية الكمومية، واعتمد الباحثون على منهج يجمع بين المحاكاة الحاسوبية واسعة النطاق والبيانات التجريبية.
أوضح فودور أن الطريقة القديمة كانت تعتمد على جمع آلاف النتائج التجريبية وتحليلها للحصول على قيمة واحدة، بينما اعتمدت طريقتهم على تقسيم الزمكان إلى خلايا صغيرة جدًا ثم حل معادلات النموذج القياسي عليها، وهو ما تطلب قدرًا هائلًا من الرياضيات والبرمجة والحوسبة.
استغرقت هذه الحسابات عشر سنوات، وعند اكتمالها أظهرت توافقًا مع النموذج القياسي ضمن نصف انحراف معياري وبدقة وصلت إلى 11 منزلة عشرية، وهي أدق نتيجة حتى الآن، ومع أنها لا تنفي تمامًا إمكانية وجود فيزياء جديدة مثل القوة الخامسة، فهي تضيق نطاق البحث كثيرًا.
قال فودور إنه يشعر بشيء من الحزن، إذ كانوا يأملون في العثور على دليل على قوة خامسة جديدة، لكنهم وجدوا بدلًا من ذلك تأكيدًا دقيقًا على صحة النموذج القياسي ونظرية الحقول الكمومية التي يقوم عليه.
المصادر:
الكاتب
أحمد صبري عبد الحكيم

مراجعة
محمد حسان عجك
