رصد انفجار وشيك لثقب أسود
يعتقد العلماء أنّ الثقوب السوداء قد تنفجر، ويتناسب الزمن اللازم لانفجارها طرديًا مع كتلة الثقب الأسود. ويقدر أنّ أضخم الثقوب السوداء قد تحتاج إلى وقت أطول من العمر المفترض للكون لتنفجر.
ترجح بعض الأبحاث الراهنة أن البشرية قد ترصد خلال العقد القادم انفجار ثقب أسود. مثل هذا الانفجار لا يحدث إلا لأصغر الثقوب السوداء، وبمعدل لا يتجاوز مرة كل مئة ألف عام. ومن المؤكد أن هذا الاكتشاف إذا تحقق، سيغيّر نظرتنا إلى الكون بإثبات وجود الثقوب السوداء الأولية التي وُجدت قبل 13.8 مليار سنة، بعد ثانية فقط من الانفجار العظيم.
وقد طرح الفريق القائم على هذه الأبحاث نموذجًا جديدًا لشحنة الثقوب السوداء الكهربائية، وأسموه نموذجًا تجريبيًا لكهروديناميكا كمّية مظلمة، ويشمل هذا النموذج نسخة افتراضية فائقة الكتلة من (الإلكترون المظلم)، وإذا صح هذا النموذج، فقد يصبح بالإمكان رصد انفجار ثقب أسود أولي مرة كل عشر سنوات.
يُفترض أن انفجار ثقب أسود أولي سيُغرق الكون بجميع الجسيمات، ومنها الجسيمات المعروفة في النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات مثل الإلكترونات والكواركات وبوزونات هيغز، والجسيمات التي تقع خارج النموذج القياسي مثل جسيمات المادة المظلمة.
ما يعني أنّ رصد هذا الانفجار لن يكشف فقط عن وجود الثقوب السوداء الأولية، بل قد يحل أيضًا عددًا هائلًا من الألغاز المتعلقة بالجسيمات الموجودة ضمن النموذج القياسي.
قال مايكل بيكر عضو الفريق من جامعة ماساتشوستس في أمهيرست في بيان رسمي: «نحن لا نزعم أنّ هذا سيحدث بالضرورة خلال هذا العقد، لكن يوجد احتمال بنسبة 90% أن يحدث بالفعل، ولأننا نملك التكنولوجيا اللازمة لرصد هذه الانفجارات، علينا أن نكون مستعدين».
هل تُسرب الثقوب السوداء ما بداخلها؟
لعلّ أكثر أنواع الثقوب السوداء شيوعًا هو ما يُعرف بالثقب الأسود نجمي الكتلة الذي تتراوح كتلته بين عشرة إلى ألف ضعف كتلة الشمس. تتشكّل هذه الثقوب عندما ينتهي الوقود النووي للنجوم العظمى ولا تعود قادرة على مقاومة جاذبيتها الداخلية، ما يؤدي إلى نشأة منطقة في الزمكان ذات تأثير جذبي بالغ القوة يبتلع الضوء.
أما الثقوب السوداء هائلة الكتلة التي تعادل كتلها ملايين أو حتى مليارات الشموس، فهي أعظم من أن تكون قد نشأت بموت النجوم. ويُعتقد أنّها تتكوّن نتيجة تصادم ثقوب سوداء أصغر واندماجها في سلاسل متتالية من الاندماجات التي تُنتج أجسامًا أكبر فأكبر.
وتعد الثقوب السوداء الأولية أقل من الثقوب السوداء نجمية الكتلة بكتل قد تتراوح بين كتل الكواكب الكبرى وكتل الكويكبات ذات الحجم المتوسط. ويظن العلماء أيضًا أن الثقوب الأولية تلك لم تتكون من النجوم بل تكونت نتيجة اضطراب كوني أولي له كثافة صغيرة حدث بعد الانفجار العظيم.
يعود استعمال مفهوم انفجار الثقوب السوداء إلى عام 1974، عندما اقترح عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينج مفهوم تسريب الثقوب السوداء لإشعاعات حرارية (إشعاعات هوكينج)، الذي يسبب اضمحلال الثقب الأسود تدريجيًا حتى بلوغه نقطة الانفجار. أما درجة حرارة هذا الإشعاع فترتبط عكسيًا بكتلة الثقب الأسود؛ فكلما زادت كتلة الثقب الأسود انبعثت منه كمية حرارة أقل، وهذا يعني أيضًا أنّ الثقوب السوداء الأصغر تكون أكثر حرارة من الفضاء المحيط بها، ما يجعل إشعاعها أشد وفقدانها لكتلتها أسرع من الثقوب السوداء العظمى.
يصرّح أندريه تام الباحث في جامعة ماساتشوستس أمهيرست:
«كلما كان الثقب الأسود أخف، كان أكثر سخونة وأصدر جسيمات أكثر، ومع تبخّر الثقوب السوداء الأولية، تصبح أخف فأخف وأسخن بالنتيجة، وتشع المزيد من الإشعاع في عملية متسارعة تنتهي بالانفجار، وهذا الإشعاع من نوع هوكينغ هو ما تستطيع تلسكوباتنا رصده».
لذا يحاول علماء الفضاء رصد هذا الإشعاع الأولي المتوقع ظهوره.
يقول خواكيم إيغواز خوان الباحث الآخر في جامعة ماساتشوستس أمهيرست:
«نعرف كيف نرصد إشعاع هوكينغ، وبوسعنا رؤيته باستخدام مجموعة التلسكوبات المتوفرة لدينا حاليًا، وبما أن الثقوب السوداء الوحيدة التي قد تنفجر اليوم أو في المستقبل القريب هي تلك الثقوب السوداء الأولية، فإننا إن رصدنا إشعاع هوكينغ فهذا يعني أننا نشهد انفجار ثقب أسود أولي».
كان يُعد احتمال رصد انفجار ثقب أسود أولي ضئيلًا إلى حد العدم سابقًا. لكن بحسب تعبير إيغواز خوان: «مهمتنا بوصفنا فيزيائيين هي أن نشكك في الافتراضات السائدة، وأن نطرح أسئلة أفضل ونخرج بفرضيات أكثر دقة».
وقد راجه فريق البحث الافتراضات السائدة حول الشحنة الكهربائية للثقوب السوداء، وكان يُعتقد أن الثقوب السوداء الأولية تماثل الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية في كونها متعادلة الشحنة.
قال بيكر:
«نفترض افتراضًا مختلفًا، فقد بيّنا أنه إذا تكوَّن ثقب أسود أولي بشحنة كهربائية مظلمة صغيرة فإن النموذج التوضيحي يتنبأ بأنه سيستقر مؤقتًا ومن ثم ينتهي به الأمر إلى الانفجار».
وهذا يؤدي بنا إلى أن انفجار الثقب الأسود الأولي يحدث مرة كل عشرة سنوات تقريبًا بدلًا من مرة كل مئة ألف عام تقريبًا، لذا فالخطوة القادمة للفريق هي الاستعداد لرصد حدث مهم كهذا، واحتمال وقوعه يبلغ نسبة 90%.
قال خواكيم إيغواز خوان:
«يُعد هذا أول رصد مباشر لإشعاع هوكينج ولثقب أسود أولي، وسنحصل على سجل حاسم لكل جسيم يشكل كل ما في الكون، سيُحدث ذلك ثورة كاملة في الفيزياء ويساعدنا على إعادة كتابة تاريخ الكون».
المصادر:
الكاتب
أحمد صبري عبد الحكيم

مراجعة
محمد حسان عجك

ترجمة
أحمد صبري عبد الحكيم
