روبوتات صغيرة معقودة تقفز وتطير وتزرع البذور

29 مايو 2026
8 مشاهدة
0 اعجاب

روبوتات صغيرة معقودة تقفز وتطير وتزرع البذور


من الشائع استخدامنا للعقد في مختلف المجالات، فهي وسيلة بسيطة لربط الأشياء بالحفاظ على التوتر، وقد نلاحظ أنه عندما تُفك العقدة، فإنها لا تنحل بهدوء، بل تنفلت فجأةً وبسرعة، فما الرابط بين هذه الملاحظة البسيطة والروبوت؟


دفعت هذه الملاحظة مهندسي جامعة بنسلفانيا إلى إعادة التفكير في وظيفة العقدة، إذ طرحوا سؤالًا مختلفًا: ماذا لو صُممت العقدة لتتحرر؟ وكانت النتيجة تطوير روبوت صغير ومرن قادر على القفز لأمتار في الهواء، وأداء حركات بهلوانية في أثناء الطيران، والدوران كالمروحة، بل وحتى الانزلاق والعودة إلى نقطة انطلاقه.


نُشر البحث في مجلة ساينس، وقادته شو يانغ بوصفها أستاذة الهندسة وعلوم المواد في جامعة بنسلفانيا بالتعاون مع الباحث ياوويه هونغ. ويعتمد هذا الروبوت على ليف دقيق لا يتجاوز سمكه مليمترًا واحدًا، مكوَّن من مادتين متباينتين في الخصائص: نواة من الكيفلار تمنحه القوة والصلابة، وغلاف خارجي من مطاط بلوري سائل يمنحه المرونة والاستجابة والقدرة على البرمجة. وعند لف هذا الليف وعقده، يخزن طاقة مرنة تُطلق دفعة واحدة عند تسخينه.


توضح يانغ أن كثيرين ينظرون إلى الليف المعقود بوصفه عنصرًا ساكنًا، لكن عند تصميم مرونته ومواده بعناية، تتحول العقدة نفسها إلى نظام نشط.


توتر مكبوت ينفجر دفعة واحدة


يعمل هذا الروبوت بطريقة تشبه زنبركًا (نابضًا) مثبتًا بمزلاج، إذ تمثّل العقدة هذا المزلاج. وعندما ترتفع درجة الحرارة إلى ما بين 60 و90 درجة مئوية، ينكمش الغلاف الخارجي ويفك التفافه تدريجيًا، ما يؤدي إلى ارتخاء العقدة فجأةً، وخلال جزء من الثانية، تتحول الطاقة المخزنة إلى حركة سريعة وقوية.


والنتيجة مذهلة؛ إذ يمكن لعقدة لا يتجاوز طولها بضعة مليمترات أن تقفز لمسافة تقارب مترين، أي ما يعادل مئات أضعاف حجمها.


بدأت فكرة هذا الروبوت عندما كان الباحث هونغ يدرس سلوك الألياف الملتوية تحت الضغط، وإضافة العقد إلى هذه الألياف وفّرت مستوى جديدًا من التحكم، ما أتاح إمكانية برمجة الحركة.


وبتغيير شكل العقدة أو نوع المادة أو طريقة لف الليف قبل عقده، بالوسع التحكم في طريقة حركة الروبوت بعد انطلاقه. وهذا يعني أن حركته ليست قوية فحسب، بل قابلة للتوجيه والتصميم المسبق.


من منظور رياضي، تعني العقدة وصفًا ثلاثي الأبعاد لشكل الحلقة المتشابكة، فمثلًا، تؤدي العقدة البسيطة إلى حركة انقلابية، بينما تنتج العقدة على شكل الرقم ثمانية حركة دورانية، ومن الممكن أن تنفك العقد الأكثر تعقيدًا على مراحل منتجة سلسلة من الحركات المتتابعة في الهواء تشبه عرضًا رياضيًا قصيرًا.


مستوحى من الطبيعة لحل مشكلات واقعية


عند إضافة جناح رقيق يشبه الورقة النباتية، تزداد قدرة الروبوت على التحكم في أثناء الطيران. وقد استُلهم هذا التصميم من طريقة سقوط بذور القيقب التي تدور حول نفسها في أثناء الهبوط. وبحسب موقع الجناح، بوسع الروبوت أن يتحرك للأمام لمسافة بعيدة أو أن يعود نحو نقطة انطلاقه بطريقة تشبه البوميرانغ.


يساعد الجناح أيضًا على استقرار الروبوت في أثناء الهبوط وضمان استمرار دورانه. والأهم من ذلك أن الطاقة الحركية الناتجة عن القفز تدفع الليف لاختراق التربة بشكل شبه عمودي، مولدة ضغطًا عاليًا ضروريًا لزرع البذور. وهنا يظهر أحد أهم تطبيقات هذا الابتكار، وهو الزراعة.


في دراسات سابقة، طوّر الفريق حوامل بذور قادرة على دفن نفسها باستخدام مواد خشبية تمتص الرطوبة، إذ تعتمد على مياه الأمطار لتفعيل حركتها. لكن هذه الطريقة لم تكن موثوقة لأن الأمطار الغزيرة قد تؤدي إلى جرف البذور، بينما تعجز الأنظمة عن العمل في البيئات الجافة.


أما هذا الروبوت الجديد، فيعتمد على الحرارة بدلًا من الماء، وبإمكان أشعة الشمس المتوفرة في كثير من المناطق أن توفر الحرارة اللازمة لتشغيله. وتُظهر النتائج أن هذا النظام يولد ضغط اختراق أكبر بنحو ثلاثين مرة مقارنة بالأنظمة المعتمدة على المطر. وفي تجارب أولية، نجح الفريق في زراعة بذور الصنوبر والجرجير باستخدام هذه التقنية، إذ تمكنت البذور من الإنبات بعد اختراق التربة.


من الفضول العلمي إلى الحلول العملية


لم يبدأ المشروع بهدف تطبيق عملي محدد، بل انطلق من فضول علمي حول سلوك المواد. ومع تطور البحث، اكتشف الفريق إمكانياته الواسعة.


وكان إدخال نواة الكيفلار نقطة تحول مهمة، إذ زادت صلابتها من قدرة الليف على تخزين الطاقة، ما ضاعف ارتفاع القفز تقريبًا، ليصل إلى مستوى قريب من قفز بعض الحشرات الصغيرة.


ويكمن سر هذا النجاح في التكامل بين المواد، إذ تجمع بين الصلابة والمرونة، ما يمنح الروبوت خصائص حركية متقدمة لم تكن ممكنة سابقًا.


نحو مستقبل من الآلات الذكية الصغيرة


ما يزال التصميم الحالي نموذجًا تجريبيًا لفهم الظواهر الفيزيائية الأساسية، لكن الأبحاث المستقبلية تهدف إلى استخدام مواد أكثر صداقة للبيئة، وخفض درجة الحرارة اللازمة للتشغيل، وتحسين التفاعل مع التربة.


الهدف الأكبر هو تطوير مجموعة من روبوتات صغيرة قادرة على العمل في بيئات معقدة دون الحاجة إلى إلكترونيات أو مصادر طاقة خارجية.


وتظل الطبيعة مصدر الإلهام الأساسي في طريقة القفز وتصميم الأجنحة وآليات الحركة. ويؤدي التعاون بين تخصصات مختلفة دورًا مهمًا في تحويل هذه الأفكار إلى تطبيقات عملية.


وفي النهاية، يكشف هذا الابتكار كيف يمكن لفكرة بسيطة، مثل عقدة، أن تتحول إلى روبوت ذكي قادر على أداء مهام معقدة، عندما تُفهم القوانين الفيزيائية وتُستثمر بطريقة صحيحة.



المصادر:


الكاتب

لور عماد خليل

لور عماد خليل
مراجعة

محمد حسان عجك

محمد حسان عجك
تدقيق

روزان جاسم إلياس

روزان جاسم إلياس



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة