كشف النقاب عن أكبر خريطة للمجالات المغناطيسية الخفية في الكون
تُعد المجالات المغناطيسية جزءًا أساسيًا من الكون، فهي تُنظم حركة الجسيمات الصغيرة -اللبنات الأساسية للكواكب والنجوم، وصولًا إلى المجرات- في الفضاء. مع ذلك ما زلنا نجهل كيف نشأت المجالات المغناطيسية في الكون، لكننا نعلم أنها موجودة في كل مكان، فالأرض نفسها تمتلك مجالًا مغناطيسيًا تستخدمه البوصلات والطيور المهاجرة.
يستطيع علماء الفلك استخدام ضوء المجرات البعيدة لإضاءة هذه المناطق غير المرئية في الفضاء باستخدام التلسكوبات الراديوية. استخدمنا في دراستنا، المنشورة اليوم في مجلة الجمعية الفلكية الأسترالية، أقوى تلسكوب راديوي في أستراليا لإنشاء أكبر خريطة وأكثرها تفصيلًا للمجالات المغناطيسية الكونية على الإطلاق.
بطاريات عملاقة تتحكم في المجرات
تتفاوت المجالات المغناطيسية بشكل كبير في أرجاء الكون، فالأجسام فائقة الكثافة، مثل النجوم النيوترونية والثقوب السوداء، تمتلك مجالات مغناطيسية أقوى بمليارات المرات من المجال المغناطيسي للأرض.
رصدنا أيضًا مجالات مغناطيسية أضعف بمليون مرة من المجال المغناطيسي للأرض في الفضاء بين النجوم. نعلم أن هذه المجالات بالغة الأهمية في التحكم في تطور المجرات رغم ضعفها، فهي تعمل مثل بطاريات عملاقة تخزن كميات هائلة من الطاقة، ما يبطئ أو حتى يمنع تكون النجوم الجديدة.
لكن المجالات المغناطيسية غير مرئية لنا. يكتفي علماء الفلك باستخدام الضوء القادم من النجوم والمجرات البعيدة للعثور عليها في الفضاء، ذلك لأن الضوء موجة من المجالات الكهربائية والمغناطيسية، ومن هنا جاء اسم الطيف الكهرومغناطيسي.
في أثناء انتقال الضوء عبر الكون، يتفاعل مع أي مجال مغناطيسي يمر به. هذا التفاعل يُغير اتجاه موجة الضوء، ما نسميه الاستقطاب، لذا فإن الضوء الذي يتحرك عموديًا له استقطاب مختلف عن الضوء الذي يتحرك أفقيًا. يستطيع علماء الفلك رصد هذا الاستقطاب، خاصة عند النظر إلى السماء في موجات الراديو التي تُعد جزءًا من الطيف الكهرومغناطيسي.
رؤية ما لا يُرى!
لطالما كانت التلسكوبات الأسترالية في طليعة علم الفلك الراديوي ورصد المجالات المغناطيسية منذ اكتشافها الأول. كان تلسكوب موريانغ الراديوي التابع لمنظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية (CSIRO) في باركس أول من رصد الاستقطاب الملتوي للضوء المنبعث من المجالات المغناطيسية خارج الأرض عام 1962.
يسعى علماء الفلك جاهدين منذ ذلك الحين لاكتشاف المزيد من المصادر التي تُظهر لنا هذا الضوء الملتوي، فبفضل القياسات الكافية، يُمكننا رسم خريطة للمجالات المغناطيسية في الكون.
تمثل كل نقطة في الخريطة جسمًا رصده تلسكوبنا، وقد أضاء ضوء هذا الجسم المجالات المغناطيسية بيننا وبين ذلك المصدر البعيد. وكلما زاد عدد المصادر التي نرصدها، ازدادت دقة خريطتنا.
أُعدت آخر خريطة شاملة للمجالات المغناطيسية عام 2009، ولم نشهد أي خريطة مماثلة خلال السنوات السبع عشرة الماضية، ما حد من عمق ونطاق التساؤلات التي سعى علماء الفلك للإجابة عنها.
ما زلنا نجهل قوة وبنية الحقول المغناطيسية الكونية في مختلف أنحاء الكون، يشمل ذلك مجرتنا درب التبانة. نحن لا نعرف كيف نشأت هذه الحقول، ولا كيف تغيرت عبر الزمن منذ الانفجار العظيم. نحتاج إلى جيل جديد من التلسكوبات الراديوية لحل هذه المشكلات.
تلسكوب مصمم للسرعة
يشهد علم الفلك الراديوي ثورةً حقيقيةً مع بناء مرصد SKA في جنوب إفريقيا وأستراليا. يجري تشغيل جيل من التلسكوبات يُعرف باسم التلسكوبات الرائدة لمرصد SKA في أنحاء متفرقة من العالم تمهيدًا لهذا المشروع.
يُعد تلسكوب ASKAP الراديوي أحد هذه التلسكوبات الرائدة. يقع مرصد مورشيسون لعلم الفلك الراديوي التابع لمنظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية (CSIRO) في منطقة واجاري ياماجي في غرب أستراليا، في إنياريمانها إيلغاري بوندارا، ويتألف من 36 طبقًا بقطر 12 مترًا. يستطيع كل طبق من هذه الأطباق رصد مساحة شاسعة من السماء في آن واحد، ما يمنح علماء الفلك رؤيةً فائقة الاتساع للكون.
يُعرف المشروع الرائد لرسم خريطة للحقول المغناطيسية للكون باسم مسح استقطاب السماء لمغناطيسية الكون (POSSUM). أنتج فريق التلسكوب مسوحات ASKAP المستمرة السريعة (RACS)، وهي بمثابة رسم أطلس للكون.
حددت أحدث نسخ هذه الدراسات الاستقصائية ما يقرب من 4 ملايين مجرة بعيدة، منها مليونا مجرة لم تسبق رؤيتها من قبل.
المصادر:
الكاتب
محمد الشرقاوي
