ما الميكروبيوتا البشرية ؟

تعيش ملايين الأحياء الدقيقة من الجراثيم والميكروبات في أمعاء الإنسان، بعضها مفيد والآخر مؤذ ويسبب الضرر لأجسامنا. يُقدر بعض العلماء أن الأحياء الدقيقة في أجسامنا أكثر بعشرة أضعاف من عدد الخلايا الجسدية، ويتوقع بعضهم الآخر أن النسبة تقارب 1:1. ارتبطت التطورات العلمية الحديثة في علم الوراثة بتطور معرفتنا بالميكروبات في الجسم، إذ استثمرت بلدان كثيرة في أبحاث تهدف إلى دراسة العلاقة بين البيئة الداخلية لجسم الإنسان والصحة والمرض. غالبًا يُستخدم مُصطلحا الميكروبيوتا وميكروبيوم للدلالة على نفس الشيء، وسنشرح في هذه المقالة الاختلافات بينهما وكيف يُستخدم كل منهما في أبحاث الطب الحديث.

ما الميكروبيوم البشري؟

تتألف الميكروبيوتا البشرية من مليارات الجراثيم والفيروسات والفطور والأحياء وحيدة الخلية الأخرى، وتُسمى المادة الجينية داخل تلك الميكروبات الميكروبيوم. يستضيف كل إنسان نحو 10-100 تريليون خلية ميكروبية في علاقة تكافلية حيوية تستفيد منها الميكروبات ومُضيفها، بشرط تمتع الإنسان المضيف بجسد صحيح. لا نعرف عدد أنواع تلك الميكروبات بدقة لكن قد تتضمن الميكروبيوتا البشرية زهاء 1000 نوع مختلف من الكائنات الحية الدقيقة.

تحاول مشاريع عدة فك شفرة الجينوم البشري بترتيب تسلسل جميع الجينات البشرية، وبنفس الطريقة يُدرس الميكروبيوم لتحديد كل معلوماته الجينية. تشكل الميكروبات نحو 2-3% من وزن الجسم فقط، إذ إنها كثيرة العدد لكن صغيرة الحجم.

وجدت دراسة نشرتها جمعية مشروع الميكروبيوم البشري في مجلة Nature سنة 2012 النتائج التالية:

تتنوع الأحياء الميكروبية كثيرًا في العينات المأخوذة من مستعمرات بكتيرية تعيش في الفم وعينات المستعمرات البكتيرية في البراز.

تحتوي عينات المستعمرات المهبلية على مستعمرات بكتيرية بسيطة، لا تتنوع الأحياء فيها كثيرًا.

أظهرت هذه الدراسة اختلاف المستعمرات البكتيرية وتنوعها عند عدد كبير من البشر الأصحاء، لكنها تطرح الكثير من الأسئلة، إذ كيف تختلف المستعمرات الميكروبية داخل كل فرد على مدار عمره؟ وهل توجد علاقة بين نمط المستعمرات وكون الميكروبات مفيدة أو مُمْرِضة؟

ما هي الميكروبيوتا البشرية - تعيش ملايين الأحياء الدقيقة من الجراثيم والميكروبات في أمعاء الإنسان - البيئة الداخلية لجسم الإنسان

ما ميكروبيوتا الأمعاء؟

كانت ميكروبيوتا الأمعاء تُسمى سابقًا الفلورا المعوية. سنة 1996، كتب الطبيب رودني بيرغ من قسم البيولوجيا وعلم المناعة في جامعة ولاية لويزيانا مقالًا عن ميكروبيوتا الأمعاء وأهميتها، إذ يقول: «الفلورا الأساسية في جهاز الهضم لها تأثيرات مهمة في التطور التشريحي والفيزيولوجي والمناعي للمُضيف، فهي تحرض جهاز المناعة للاستجابة أسرع للعوامل المُمرضة، وتمنع غزو أي عامل مُمرض خارجي للجهاز الهضمي».

هذه العلاقة التكافلية الحيوية مفيدة للبشر، وتوجد الفلورا البشرية أيضًا عند الكثير من الحيوانات في الطبيعة.

مع ذلك، توجد ميكروبات أخرى في الأمعاء، وهي ميكروبات خارجية ضارة قد تصل إلى أجهزتنا الحيوية وقد تسبب إنتانات في السبيل الهضمي، ومنها بعض الميكروبات المولدة للسموم التي تسبب تسممًا غذائيًا، إضافةً إلى الأمراض الهضمية المختلفة المصحوبة بالإسهال والتقيؤ. يحتوي ميكروبيوتا الأمعاء على أكثر من 3 ملايين جين، ما يجعلها أكثر تنوعًا وراثيًا من البشر بنحو 150 ضعف، ولها دور مهم في محاربة الأمراض وهضم الطعام وحتى التحكم في المزاج والوظائف النفسية.

ما أهمية الميكروبيوتا البشرية ؟

تطورت الأحياء الدقيقة مع تطور البشر وشكلت جزءًا أساسيًا من حياتنا بأدائها للكثير من الوظائف الحيوية. تمثل الميكروبات جزءًا من الصحة والمرض، إذ وجد الباحثون علاقة بين البكتيريا والصحة سواءً كانت تلك البكتيريا مفيدة أو ضارة، إضافةً إلى تأثيراتها أيضًا في الكثير من الأمراض، ومنها:

  •  الربو.
  •  التصلب المتعدد.
  •  التوحد.
  •  السكري.
  •  الحصبة.
  •  البدانة.
  •  سوء التغذية.
  •  السرطان.
  •  الداء الزلاقي.
  •  التهاب القولون التقرحي.
  •  الإكزيما.
  •  الأمراض القلبية.

تشمل تأثيرات البكتيريا في الصحة الجوانب التالية:

  •  المناعة.
  •  السلوك.
  •  التغذية.
  •  المرض.

التغذية:

ميكروبيوتا الأمعاء ضرورية لهضم الطعام وامتصاص المركبات المهمة لتوليد الطاقة للجسم، إذ تساعد على تفكيك الجزيئات المركبة في اللحوم والخضراوات، مثل مادة السيليلوز التي لا نستطيع هضمها دون وجود الميكروبيوتا. أيضًا قد يؤثر الاستقلاب عند هذه البكتيريا في شعورنا بالجوع أو الشبع.

تختلف أنواع البكتيريا المعوية باختلاف الحمية الغذائية التي يتبعها الفرد، إذ تتنوع كثيرًا عند الشباب الذين يتناولون مختلف أنواع الأطعمة، في حين يقل تنوعها عند البالغين الذين يلتزمون بحمية غذائية محددة.

المناعة:

تبدأ المستعمرات الميكروبية بالنمو في لحظة ولادة الحيوان، ويحصل البشر أيضًا على الميكروبيوتا في أثناء عبورهم عنق الرحم وولادتهم إلى العالم الخارجي. الوجود المبكر لمستعمرات البكتيريا في أجسام البشر آلية دفاعية حيوية ضرورية لتكوين نظام مناعي مكتسب يساعد على مكافحة الجراثيم وتحريض ردة فعل أسرع وأكثر فعالية ضد الميكروبات المرضية.

لا تملك القوارض مستعمرات ميكروبية، لذا قد تعاني مجموعة من الآثار المرضية بسبب جهازها المناعي غير المتطور.

تؤثر الميكروبيوتا أيضًا في حالات الاستجابة المناعية الذاتية والحساسية، ويزداد حدوث هذه الحالات عند اضطراب الميكروبيوتا أو حدوث خلل في التعرض لها في أعمار مبكرة.

السلوك:

قد تؤثر الميكروبيوتا في الدماغ مسببةً مشكلات هضمية، إذ تسمى ميكروبيوتا الأمعاء أحيانًا «الدماغ الثاني».

يؤدي عمل الميكروبيوتا إلى تحرر جزيئات تُحدث استجابة عصبية في الجهاز الهضمي، أيضًا لاحظ الباحثون صلة بين الميكروبيوتا وبعض الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والتوحد.

الأمراض:

ترتبط الميكروبيوتا المعوية بالكثير من الاضطرابات الاستقلابية مثل اضطرابات الأمعاء الالتهابية ومرض كرون والتهاب القولون التقرحي. إضافةً إلى ذلك قد يؤدي انخفاض التنوع في المستعمرات الميكروبية إلى الإصابة باضطرابات مثل أمراض الأمعاء الالتهابية والبدانة ومرض السكري من النمط الثاني.

ترتبط المستعمرات البكتيرية أيضًا بمتلازمة التمثيل الغذائي، إذ إن النظام الغذائي الغني بالأطعمة الحاوية على البكتيريا النافعة والكربوهيدرات التي تتغذى عليها إضافةً إلى المواد الغذائية الأخرى يساعد على تخفيض خطر الإصابة بالأمراض.

تؤثر الميكروبات المعوية وجيناتها في توازن الطاقة وتطور الدماغ والوظائف المعرفية، وتجرى الأبحاث حاليًا لكشف آلية تأثيرها بدقة ومحاولة الاستفادة منها لتحسين صحة الإنسان. تؤدي الصادات الحيوية إلى القضاء على الميكروبات النافعة، وذلك يسبب أمراضًا كثيرة قد تتضمن حالات مرضية مستعصية على العلاج بالصادات الحيوية. إضافةً إلى ذلك، تمنع الميكروبات المعوية النافعة نمو الميكروبات الضارة التي قد تسبب الأمراض، وقد تطلق مواد مضادة للالتهاب تحمي الجسم من العوامل الممرضة.

الاكتشافات الجديدة:

يجرى حاليًا بحث ضخم حول ميكروبيوتا الأمعاء وجيناتها وعلاقتها بالصحة والمرض، إذ أطلق المعهد الوطني للصحة مشروع الميكروبيوم البشري سنة 2007، وهو مشروع بحثي يهدف إلى تحديد الأنواع الميكروبية التي تؤثر في أجسام البشر وعلاقة هذه الميكروبات بالصحة، وذلك بتشكيل قاعدة بيانات جينية ضخمة متاحة وعلنية تعتمد على دراسات جينية كثيرة سابقة.

تعيش معظم المستعمرات الميكروبية داخل السبيل الهضمي، لذلك فإن معظم الدراسات تُركز على مكروبيوم الأمعاء والسبيل الهضمي. في الدراسات الحديثة يحاول الباحثون إدخال سلالة جديدة من الميكروبات إلى المستعمرات الموجودة سابقًا في الجسم، وذلك باستخدام المواد الغذائية المتاحة ودون التأثير في توازن الميكروبيوتا ووظائفها.

ستتيح هذه الدراسات إمكانية الحصول على علاجات جديدة باستخدام الميكروبات النافعة في الأمعاء، إضافةً إلى إيجاد طرق جديدة لتحليل تركيبة هذه الميكروبات. أجريت هذه الدراسات على الفئران واستخدمت الأعشاب البحرية للسيطرة على الميكروبيوتا عندها.

أجريت أيضًا بحوث أخرى لتحديد آلية انتقال العوامل الممرضة إلى الجسم وغزوها لأجهزته الحيوية وعلاقتها بميكروبيوتا الأمعاء، ستساعد هذه الأبحاث على تطوير مكافحة غزو العوامل المُمرضة وآثارها المَرضية، إذ نستطيع أن نعد الميكروبيوتا حجر الزاوية في علم الطب الوقائي حاليًا.

اقرأ أيضًا:

اصفرار اللسان: الأسباب والعلاج

كل ما تريد أن تعرفه عن القوباء

ترجمة: محمد علي شيخ عثمان

تدقيق: غزل الكردي

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر