محاكاة فيزيائية لعملية كمومية قد تؤدي إلى نهاية الكون!
مع أن كوننا يبدو مستقرًا، فإنه قد يكون في حالة هدوء زائف مؤقت وينهار في غمضة عين! إذ نعد الفراغ أقل حالة طاقة في الكون، لكن قد توجد حالة أكثر استقرارًا وأقل طاقةً، وإذا تحولت منطقة من الفضاء إلى هذه الحالة، فمن الممكن نظريًا أن تتوسع وتبتلع الكون بسرعة الضوء، مبدلةً قوانين الفيزياء في طريقها.
تعرف هذه الظاهرة بتلاشي الفراغ الزائف، وهي واحدة من أكثر المفاهيم غرابة في نظرية الكم، وقد تمكن فريق بقيادة علماء فيزياء من جامعة تسينغهوا في الصين من إيجاد طريقة لمحاكاتها في بيئة مخبرية.
لماذا قد يرغبون في فعل شيء كهذا؟ بدايةً، لا يؤدي تلاشي الفراغ الزائف إلى تدمير الكون كما نعرفه إلا في بعض السيناريوهات النظرية، والأهم أن المحاكاة تقع عند نقطة التقاء بين نظرية الكم والنظرية النسبية، ما يجعلها أداةً مفيدة محتملة في محاولة تسوية الاختلافات التي لم يكن بالإمكان توفيقها بين هذين الإطارين حتى الآن.
تتميز معادلات النسبية بقدرتها الفائقة على وصف كيفية عمل الفيزياء في الكون على نطاقات واسعة وبسرعات عالية، لكن فور الدخول إلى عالم متناهي الصغر -أي الكون الكمي الموجود على المستويين الذري ودون الذري- لم تعد النسبية هي الأداة المناسبة لوصف سلوك الأشياء، وتُعد نظرية الحقل الكمومي أفضل أداة لهذه المهمة، إذ تصف كيفية تفاعل الحقول والجسيمات الكمومية.
عندما تبقى النظريتان محصورتان في نطاقيهما الخاصين، فإنهما تسيران بثبات وتؤديان وظيفتيهما، لكنهما تتداخلان وتصبح الأمور معقدة في الظروف القصوى، ولا يوجد إطار عمل يوحد هذين المجالين، لذا يحب الفيزيائيون استكشاف نقاط التداخل هذه ليعرفوا إن كان بإمكانهم التوصل إلى مثل هذه النظرية.
من بين تنبؤات نظرية الحقل الكمومي غياب ما يُسمى الفراغ المثالي، وما نسميه الفراغ -الفضاء- هو في الواقع الحالة الأقل طاقةً لحقل كمومي. إذا كان المشهد الطاقي لحقل كمومي يحتوي على عدة نقاط دنيا محلية -أو نقاط منخفضة- فإن هذه النقاط تتوافق مع فراغات زائفة قد تتحول إلى فراغ حقيقي -حالة طاقة أقل من ذلك.
تخيل منظرًا طبيعيًا يضم عدة بحيرات، بعضها أعمق من الأخرى، وفي مكان ما تحتها يوجد خزان أعمق. إذا انفتح نفق في قاع إحدى هذه البحيرات، ستنصب مياهها في ذلك الخزان الأعمق.
لكن إذا حدث شيء من هذا القبيل في فراغ الفضاء، فلن يظل محصورًا. وبدلًا من أن تتسرب المياه، ستنتقل منطقة صغيرة من الفضاء إلى هذه الحالة ذات الطاقة الأقل، مكونةً نوعًا من الفقاعة. ولن تظل تلك الفقاعة ثابتةً في مكانها، وإذا تجاوزت حجمًا معينًا ستتوسع إلى الخارج بسرعة تقارب سرعة الضوء، وتحول كل ما تلامسه إلى تلك الحالة الجديدة.
لهذا السبب تقع هذه الظاهرة في نقطة التقاء بين نظرية الكم ونظرية النسبية، فالانتقال الأولي إلى الحالة الأدنى هو عملية كمومية، لكن عواقبها تتجلى على أوسع نطاق يمكن تصوره، وتمتد لتغير الكون بأسره.
لا يمكن لنظرية الحقل الكمومي بمفردها أو للنظرية النسبية بمفردها أن تصف هذه العملية وصفًا كاملًا. فكلتاهما ضروريتان لفهم تلاشي الفراغ الزائف. وهذا يعيدنا إلى التجربة المخبرية التي لم تتضمن ثقب جيب من الفراغ لقلبه رأسًا على عقب، بل استخدم الباحثون بدلًا من ذلك حلقة من ذرات ريدبرغ.
في الذرة العادية، توجد نواة محاطة بسرب صغير من الإلكترونات. وإذا أضفت فقط القليل من الطاقة إلى الذرة، فإن سرب الإلكترونات يتوسع قليلًا، ما يجعل الذرة أكبر قليلًا وأكثر مرونة.
تتشكل ذرة ريدبرغ عند إضافة كمية كبيرة من الطاقة في ظروف تسمح لها بالاحتفاظ بإلكتروناتها. وتتضخم هذه الذرة إلى حجم كبير نسبيًا بالنسبة إلى ذرة، إذ يصل قطرها إلى عدة ميكرونات وتكون الإلكترونات مرتبطة بها بأقل قوة ممكنة دون أن تنفصل عنها.
تتصرف ذرات ريدبرغ بطريقة مبالغ فيها نظرًا إلى طبيعتها شديدة المرونة، ما يجعلها مفيدةً في إجراء التجارب. رتب الباحثون عددًا زوجيًا من ذرات ريدبرغ المتنافرة على شكل حلقة. وفي هذا الترتيب، يكون اتجاه دوران كل ذرة معاكسًا لاتجاه دوران الذرتين المجاورتين، ما يُنتج نمطًا متناوبًا ومتماثلًا من اتجاهات الدوران حول الحلقة.
ثم أثاروا الذرات باستخدام أشعة الليزر، ما أدى إلى كسر التناظر. وأتاح ذلك للحلقة أن تتخذ شكلين مختلفين ذات حالتين طاقيتين مختلفتين قليلًا، تمثل إحداهما الفراغ الزائف والأخرى الفراغ الحقيقي. وبهذا ستتلاشى الحلقة التي تتسم ببعض الفوضى تدريجيًا لتصل إلى حالة مستقرة، وذلك بسرعة تعتمد على قوة الليزر الذي يكسر التناظر.
يتوافق هذا مع الآلية الأكثر قبولًا التي يُعتقد أنها تقود إلى تلاشي الفراغ الزائف، أي بتكون نواة فقاعة كمية تحتوي على الفراغ الحقيقي، فالظروف التي تسهل تكون الفقاعة تزيد من احتمالية حدوث هذا الانتقال.
لا تكشف التجربة عن أي معلومات جديدة مباشرة بشأن تلاشي الفراغ الزائف، لكنها تؤكد التوقعات النظرية حول الكيفية التي سيحدث بها ذلك. ما يعني أن نظام ذرات ريدبرغ الذي طوره الفريق يمثل مجالًا جديدًا لاستكشاف نقطة التقاطع المثيرة التي تلتقي فيها الفيزياء الكمية والنظرية النسبية. وربما ستخبرنا يومًا ما أيضًا إلى أي مدى يجب أن نشعر بالقلق من تحول الكون الذي نعرفه فجأة إلى شيء مختلف تمامًا.
المصادر:
الكاتب
سيزار ماضي
تدقيق
محمد حسان عجك
