لاقت العلاقة الغرامية بين نابليون بونابرت وزوجته جوزفين دو بوارنيه إعجاب الكثيرين بوصفها قصة حب مثالية على مر العصور، ولكنها لم تكن بأي شكل من الأشكال نموذجًا مثاليًا للتفاني والإخلاص المجرد من الأنانية، وفي حقيقة الأمر، رسائل القائد الفرنسي لزوجته (التي لا تُعد ولا تُحصى) فاضت باعترافاته بحبه المتيم لها، ولكن أدت سلسلة من الخيانات المتبادلة في نهاية الأمر إلى طلاقهما.

ولدت ماري جوزيف تاشر دي لا باجيري (التي سماها نابليون اسم جوزفين بحسب اسمها الأوسط) وترعرعت في مستعمرة مارتينيك الفرنسية الكاريبية، وعندما كانت في سن المراهقة زوّجتها عائلتها إلى نبيل فرنسي قاصر اسمه: ألكسندر دي بوارنيه، وهو زير نساء أدت علاقاته المتعددة إلى انفصال الزوجين بأمر من المحكمة، ومع إن ألكسندر حقق نجاحًا سياسيًا وأصبح رئيسًا للجمعية التأسيسية الوطنية، فلم يستطع النجاة من العنف الذي مارسته الدولة في عهد الإرهاب للثورة الفرنسية، وأُعدِم بالمقصلة في عام 1794 وسُجنت جوزفين، وبالكاد نجت من الإعدام بعد سقوط ماكسميليان روبسبيار.

بعد إطلاق سراحها من سجن كارميس كانت جوزفين أرملة وأمًا لطفلين بعمر 32 عامًا دون إمكانية الوصول إلى أموال عائلتها، ولتأمين مستقبلها رتبت للحصول على قروض من جهات مختلفة للاستقرار في شقة في شارع شانتيرين، ويقول المؤرخ فريدريك ماسون في كتابه (نابليون والنساء): «كانت تأمل حدوث معجزة ما لتغيير حالتها، ومن الواضح أن خطتها المنسقة لتنطلق بقوة في المجتمع الفرنسي الجديد في مرحلة ما بعد الثورة قد نجحت بعد سلسلة من العلاقات مع عدد من كبار الشخصيات السياسية، وبعدها أصبحت معشوقة المرشد الأكبر لنابليون بول باراس الذي كان جزءًا من تحالف القيادة المكون من خمسة أشخاص (Directoire)، وعندما سئم باراس من محبوبته قدمها بسعادة إلى الجندي الشاب الطموح نابليون في اجتماع كان قد استضافه، ولكن ما لم يكن في حسبان باراس أنه بعد أربع سنوات سيصل هذا الجندي إلى السلطة في انقلاب سلمي ضد القادة الخمسة وبعدها بخمس سنوات سيتوج نفسه امبراطورًا».

نابليون ورسائل الهيام لجوزفين

وبحسب كتاب آدم زامويسكي (حياة نابليون)، لم تأخذ جوزفين احتمال أن يكون نابليون زوجًا لها في بادئ الأمر، وزُعم أنها أطلقت عليه لقب القط في الحذاء (إحدى القصص الخيالية التي كتبها شارل بيرو)، وتذمرت من كونه من طبقة اجتماعية فقيرة، لكنه أغرقها بالهدايا وكسب قلوب أولادها بروحه المرحة، وتزوج الاثنان بعد بضعة شهور من لقائهما الأول في مارس 1796، جلب نابليون العار لعائلته بزواجه من أرملة لديها أولاد، لكنه كان مسلوب العقل بحبها، ومع إنه اضطُّر لترك زوجته بعد يومين من الزفاف لقيادة الجيوش الفرنسية باتجاه إيطاليا، فقد كتب لها رسائلَ مليئة بالمشاعر:

«كل لحظة تبعدك عني يا محبوبتي، وفي كل لحظة أشعر بأنه ليس لدي القوة الكافية لاحتمال هذا البعد. انت الهاجس الأبدي الذي يشغل بالي».

الجدير بالذكر أن جوزفين كتبت رسائل أقل بكثير إلى زوجها، وفيها بدت أكثر فتورًا في لهجتها وعبرت عن عدم رضاها عن آخر رسائله ووصفتها بأنها باردة كرسائل الأصدقاء، وفي تلك الأثناء بدا أن جوزفين كانت تقضي وقتها مع الشاب هيبوليت تشارلز الذي كان ملازم هوسار (قوات سلاح فرسان خفيفة نشأت في أوروبا الوسطى)، وكان مساعد الجنرال تشارلز لوكلير الذي كان صهر نابليون. وبحلول يونيو انضمت جوزفين لنابليون في إيطاليا ولكن برفقة حبيبها، وعندما زار نابليون شقتها في ميلان في نوفمبر 1796 وجدها فارغة وبدأت الشكوك ترتابه، وتكشف إحدى الرسائل عن مشاعره المضطربة عندما قال:

«لم أعد احبك، بالعكس أكرهك. أنتِ قبيحة، خرقاء، حمقاء، مهملة. ما عدتِ تكتبين لي أبداً، ما عدتِ تحبين زوجك… آمل بعد فترة وجيزة أن اطوقك بذراعي، واغمرك بمليون قبلة حارة كما لو كنا تحت خط الاستواء».

الخيانة المتبادلة من الطرفين

في مارس 1798 علم نابليون بعلاقتها ما جعله في حالة غضب شديد، ومع إن جوزفين حاولت تهدئة الأمور فقد استمرت في خيانتها، وسمع نابليون بالأمر مجددًا في أثناء حملته على مصر في العام نفسه، وكتب لشقيقه رسالة ناقش فيها رغبته بالطلاق، لكن الرسالة اعتُرضت ونُشرت في صحف لندن وأسعدت البريطانيين، وفي تلك الأثناء كتبت جوزفين لحبيبها:

«نعم يا هيبوليت، حياتي عذاب مستمر، أنت فقط تستطيع أن تعيدني للسعادة، قل لي إنك تحبني، إنك تحبني فقط بدون أي شخص آخر».

وفي تلك الفترة كان نابليون بعلاقة غرامية مع بولين فورس التي كانت زوجة أحد ضباط جيشه.

وبعد غزوه لمصر عاد نابليون إلى فرنسا في أكتوبر 1799، وبعد المساعدة على تنظيم الإطاحة بالتحالف القيادة الخماسي (Directoire)، مُنح سلطة غير محدودة لرئاسة الحكومة بوصفه قنصلًا أول، وبعد شهر أقنعت جوزفين زوجها بإيقاف ترتيبات الطلاق بعد أن وعدت بإنهاء علاقتها مع هيبوليت تشارلز، ومنذ تلك اللحظة لم تعد علاقتهما كسابق عهدها وبدأ نابليون يتباهى بعشيقاته.

ويبدو أن جوزفين سيطرت فعلًا على قلبه حتى مع النساء الأخريات في حياته، وذلك من الرسائل التي كتبها في عام 1804 الذي تُوّجا فيه إمبرطورًا وإمبراطورة للفرنسيين.

ولكن قبل التتويج بوقت قصير، وجدت جوزفين زوجها في غرفة نوم وصيفتها إليزابيث دو فاودي، وبدأت المشكلات تتصاعد مرة أخرى، وهددها نابليون بالطلاق مرة أخرى، وهذه المرة كانت بحجة أن جوزفين لم تنجب له وريثًا.

طلاق و تفانٍ

استمر الفشل في إنجاب وريث في إرهاق زواجهما، وعندما أنجبت عشيقة نابليون إلينور دينويل ابنًا في 1806، اتضح أن المشكلة كانت في جوزفين البالغة من العمر 43 عامًا، وعندما توفي نابليون تشارلز بونابرت (ابن شقيق نابليون ووريثه المعلن) بعمر يناهز أربع سنوات فقط في 1807، بدأ نابليون في وضع لائحة بأسماء الأميرات المؤهلات من جميع أنحاء أوروبا وألغى زواجه من جوزفين، ولكن في مراسم الطلاق في 15 ديسمبر 1809 قرأ الزوجان عبارات التفاني لبعضهما البعض مؤكدين على حبهما المتبادل. قال نابليون:

«بعيدًا كل البعد عن البحث عن سبب لأشتكي، وعلى العكس، لا يسعني إلا أن أعبر عن امتناني على تفاني ورقّة زوجتي الحبيبة».

تزوج نابليون ماري لويز من النمسا بموجب توكيل في 11 مارس 1810، تبعته مراسم الزواج في الكنيسة بعد بضعة أسابيع، وبعد عام تقريبًا أنجبت ماري لويز الوريث المنتظر نابليون الثاني. وعاشت جوزفين في قصر مالميزون بالقرب من باريس، وبقيت على علاقة جيدة مع زوجها السابق، وعلم بوفاتها بذات الرئة في مايو 1814 عندما كان في منفاه الأول في جزيرة إلبا الإيطالية، وعندما توفي في منفاه الأخير في سانت هيلينا اشتهرت كلماته الأخيرة: «فرنسا، جيش، قائد الجيش، جوزفين».

بغض النظر عن علاقاتهما المتعددة ونزاعاتهما الشديدة وطلاقهما أمام العامة، فإن الحب بين نابليون وجوزفين بقي صامدًا.

اقرأ أيضًا:

حياة نابليون في المنفى ولغز موته

معركة واترلو: نهاية نابليون

ترجمة: لؤي بوبو

تدقيق: حُسام الدِّين طَلعَت

مراجعة: محمد حسان عجك

المصدر