نظرية فيزيائية تعتقد أن الكون يعمل وفق قوانين فيزيائية أعلى من مستوى فهمنا!
هل يفكر الكون ويتعلم على مستوىً ما؟ هذا سؤال إشكالي ومعقد، لكن بعض الباحثين مستعدون للنظر فيه بجدية، فوفقًا لبحث نُشر على خادم ما قبل الطباعة arXiv، قد يكون الكون في حالة تعلّم مستمر، إذ يُحتمل أنه يدرب نفسه باستمرار على كيفية التطور.
توضح الورقة البحثية -التي لم تخضع للمراجعة منذ عام 2021- أن جميع قوانين الفيزياء التي يمكننا رصدها أو قياسها اليوم هي قوانين تشكلت عبر الزمن، واستقرت تدريجيًا في حالة أكثر ثباتًا. ولفهم كيفية تطور هذه القوانين، يرى فريق هذه الدراسة -الذي يتضمن باحثين من مايكروسوفت وعلماء من جامعة براون- أنه يجب تطبيق مبدأ الانتقاء الطبيعي الدارويني على علم الكونيات.
ومع سعي الكون إلى تحقيق الاستقرار عبر الزمن، تطورت القوانين الفيزيائية البسيطة التي اعتمد عليها في بداياته لتصبح أعقد وأكثر وتطورًا بكثير. فمثلًا، ما تزال القطط والكلاب موجودة على كوكبنا اليوم، في حين اختفت ثلاثيات الفصوص والديناصورات. والسبب في ذلك أن القطط والكلاب أثبتت أنها الأكثر تكيفًا مع بيئتها، ونجحت في نقل جيناتها إلى نسلها. وبالوسع إسقاط هذا التصور على الكون، لكن الدافع لا يتمثل في التنافس مع أكوان أخرى، بل في الحاجة إلى الاستمرار.
تخيل نسخة مبكرة من الكون كانت فيها قوة التجاذب بين الأجسام مثلًا مفهومًا بدائيًا أكثر. في مثل هذه الحالة، لا يمكن لقانون نيوتن للجاذبية أن يكون صحيحًا بعد. إذ نص هذا القانون على أن جميع جسيمات المادة في الكون تجذب أي جسيمات مادة أخرى بقوة تتناسب طرديًا مع حاصل ضرب كُتَلِها وعكسيًا مع مربع المسافة بين مركزيهما. ويفسر هذا القانون لماذا تُعادل جاذبية سطح القمر سدس جاذبية الأرض تقريبًا، مع إن كتلة القمر أقل بكثير.
لكن في ذلك الطور المبكر والبسيط من عمر الكون، يمكن تصور الجاذبية بوصفها مفهومًا أكثر ثباتًا؛ وعندها، لو كانت الأرض والقمر موجودين في تلك المرحلة، لكانت الجاذبية نفسها في كليهما. وبالوسع تطبيق المنطق نفسه على القوانين الفيزيائية الأربعة عشر الأخرى.
تسعى مؤسسة Pioneer Works في نيويورك إلى تشجيع التفكير الجذري عند تقاطع الفنون، وتشرح مديرته جانا ليفين بوصفها أستاذة الفيزياء والفلك في كلية بارنارد التابعة لجامعة كولومبيا:
«مع مرور الوقت، سيعلّم ذلك النظام نفسه، وستظهر بعض القوانين الأساسية، وهذا جوهر ما تتناوله الورقة البحثية. إذا كان الكون قادرًا على إجراء عمليات حسابية باستخدام مجموعة معينة من الخوارزميات، فربما يستطيع أن يفعل الشيء نفسه الذي نراه في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ توجد أنظمة ذاتية التعلم تعلّم نفسها قواعد جديدة. وبمصطلح القواعد، نعني في علم الكونيات قوانين الفيزياء».
وعند هذه النقطة، تُحدث الورقة البحثية تداخلًا مثيرًا بين علم الكونيات -أي دراسة الكون ونشأته- وبين علم الأحياء. إذ يطرح المؤلفون تساؤلًا جوهريًا: هل يُعقل أن توجد آلية منسوجة في نسيج العالم الطبيعي تسمح للكون أن يتعلم قوانينه الخاصة من خلالها؟
بعبارة أخرى، قد يوجد قانون كوني شامل يتسامى فوق كافة الحقول العلمية التقليدية. وهذا يقودنا إلى استنتاج مفاده أن قوانين الفيزياء -بصورتها المعهودة لدينا- قد تكون خاضعة في الواقع لقوانين كونية من مرتبة عليا تتحكم فيها، وهي قوانين قد تكون أعمق وأعقد من أن تستوعبها مداركنا الحالية.
يقول بروس باسيت بوصفه أستاذ الرياضيات في جامعة كيب تاون ورئيس مجموعة علم الكونيات في المعهد الأفريقي للعلوم الرياضية في جنوب إفريقيا: «استكشاف الروابط بين المجالات أمر بالغ الأهمية، لأن المعرفة ليست مقسمة جوهريًا إلى أقسام مستقل. نحن البشر ضيقو الأفق ببساطة. نقسّم المعرفة ونضغطها إلى علم الأحياء والفيزياء وعلم الاجتماع بسبب محدودية أدمغتنا، وما يترتب على هذا التقسيم والضغط هو أننا نفقد بسهولة القواسم المشتركة والكونية الخفية بين فروع المعرفة الإنسانية».
المصادر:
الكاتب
يوسف الشيخ

تدقيق
محمد حسان عجك

ترجمة
يوسف الشيخ
