الاضطراب الوهامي هو نوع من حالات الصحة العقلية التي لا يستطيع فيها الشخص تمييز ما هو حقيقي عمّا يتخيله، وله أنواع متعددة كالاضطهادي والغيرة المرضية وجنون العظمة، وهو قابل للعلاج بالأدوية والعلاج النفسي.

يتمثل العرض الأساسي لهذا الاضطراب بوجود واحد أو أكثر من الأوهام، والوهم بالتعريف هو تصديق الشخص بما لا يقبل الشك بشيءٍ غير صحيح لا يتعلق بثقافته.

غالبًا ما يعاني المصابون أوهامًا غير غريبة، وتتضمن مواقف قد تحدث في الحياة الواقعية، كالتعرض للتتبع أو الخداع، وعادةً ما تنطوي هذه الأوهام على سوء تفسير التصورات أو التجارب، وتكون هذه المواقف في الواقع غير صحيحة أو مبالغًا فيها.

تختلف الأوهام غير الغريبة عن الأوهام الغريبة التي تشمل معتقدات مستحيلة في واقعنا، كالاعتقاد بأن شخصًا ما قد أزال عضوًا من جسمه دون أي دليل مادي.

غالبًا ما يستمر الأشخاص المصابون بالاضطراب الوهامي في التواصل الاجتماعي والعمل بصرف النظر عن موضوع وهمهم. إذ لا يتصرفون عامةً بطريقة غريبة أو غير عادية، وهذا بعكس الأشخاص الذين يعانون اضطرابات ذهانية أخرى ولديهم عَرَض الوهام. لكن مصابي الاضطراب الوهامي قد ينشغلون بأوهامهم لدرجة أن حياتهم تتعطل.

الفرق بين الاضطراب الوهامي والفصام:

الفصام هو طيف من الحالات التي تنطوي على أعراض ذهانية، وتشمل الكلام أو السلوك غير المنظم، وأعراضًا سلبية مثل انخفاض في العاطفة في تعابير وجه الشخص ودوافعه. ويختلف الاضطراب الوهامي عن الفصام بعدم وجود أي أعراض ذهانية أخرى غير الأوهام، وهذا الاضطراب نادر نسبيًا مقارنةً بالفصام، والأداء اليومي فيه ليس ضعيفًا بنفس الدرجة.

على من يؤثر الاضطراب الوهامي؟

غالبًا ما يحدث الاضطراب الوهامي في منتصف العمر إلى أواخره، إذ يبلغ متوسط عمر ظهوره 40 سنة. ومن أكثر أنواعه شيوعًا أنواع الاضطهادي والغيرة المرضية عند الذكور والهوس الشبقي (إروتومانيك) عند الإناث.

ومن يميل للعزلة الاجتماعية أكثر عرضة للإصابة بالاضطراب الوهامي، وهذا يشمل:

  •  المهاجرين الذين لديهم حواجز لغوية.
  •  الصم.
  •  ضعيفي البصر.
  •  كبار السن.

ومع أن الأوهام قد تكون من أعراض اضطرابات أكثر شيوعًا (كالفصام)، فالاضطراب الوهامي نفسه نادر إلى حد ما بنسبة 0.05-0.1% من البالغين.

وعمومًا يُعد الاضطراب الوهامي الاضطهادي الأكثر شيوعًا، وفيه يعتقد المصاب أن الآخرين يريدون إيذائه مع إن الأدلة عكس ذلك.

أعراض الاضطراب الوهامي:

وجود الأوهام هو العلامة الأكثر وضوحًا للاضطراب الوهامي، وتختلف بحسب النوع. وغالبًا ما يفتقر المصاب إلى الوعي الذاتي بأن أوهامه مشكلة، فهو غير قادر على قبول أن أوهامه غير عقلانية أو غير دقيقة، حتى لو أدرك أن الآخرين يصفونها بهذه الطريقة.

قد يكون الغضب والسلوك العنيف حاضرين إذا كان شخص ما يعاني من أوهام اضطهاد أو غيور أو هوس جنسي. ويُصاب الأشخاص المصابون بالاضطراب الوهامي أيضًا بالقلق أو الاكتئاب بسبب الأوهام.

وقد تشمل الأعراض المبكرة للاضطراب الوهامي ما يلي:

  •  الشعور بالاستغلال.
  •  الانشغال بالولاء أو الجدارة بالثقة من الأصدقاء.
  •  الميل إلى قراءة المعاني المهددة في أحداث حميدة.
  •  عقد باستمرار الضغائن.
  •  الاستعداد للرد على الإهانات المتصورة.

أسباب الاضطراب الوهامي:

كما هو الحال مع العديد من الاضطرابات الذهانية الأخرى، لا يعرف الباحثون حتى الآن السبب الدقيق للاضطراب الوهامي. لكنهم يبحثون عن دور العوامل المختلفة التي تساهم في تطور الحالة، ويتضمن ذلك:

  •  العوامل الوراثية: الاضطراب الوهامي أكثر شيوعًا لدى الأشخاص الذين لديهم أفراد من العائلة يعانون الاضطراب الوهامي أو الفصام، وقد يشير ذلك إلى وجود عامل وراثي، أي قد ينتقل الميل إلى الإصابة بالاضطراب الوهامي من الآباء إلى أطفالهم بيولوجيًا كما هو الحال مع الاضطرابات النفسية الأخرى.
  •  العوامل البيولوجية: يدرس الباحثون إمكانية تأثير تشوهات مناطق معينة من الدماغ في تطور الاضطراب الوهامي.

تشخيص الاضطراب الوهامي:

يعطى التشخيص بالاضطراب الوهامي عند وجود وهم واحد أكثر مدة شهر أو أكثر لا يمكن تفسيره بأي حالة أخرى، دون وجود أعراض مميزة للاضطرابات الذهانية الأخرى كالفصام.

يعمل الطبيي على فحص بدني ومراجعة كاملة للتاريخ الطبي، وقد يستخدم اختبارات تشخيصية -مثل التصوير وفحص البول للتحقق من المخدرات واختبارات الدم- لاستبعاد أي حالات جسدية أو أدوية أو مواد قد تسبب الأعراض. وعند عدم وجود سبب مادي للأعراض، تُجرى استشارة مع طبيب نفسي يستخدم أدوات تقييم مصممة خصوصًا لتقييم الاضطراب الذهاني، بطرح أسئلة حول الأوهام لتقييم الحالة العقلية للشخص. وقد يقابل المختص أفراد الأسرة والأصدقاء بحثًا عن مزيد من التفاصيل حول أوهام الشخص والجدول الزمني للأعراض.

ولأن الحالات العقلية الأخرى قد تسبب الأوهام، يعتني المختص بالتقييم بحثًا عن أعراض أخرى، فقد يختلط تشخيص الاضطراب الوهامي بالحالات التالية:

  •  اضطراب الوسواس القهري.
  •  الفصام.
  •  الهذيان: اضطراب الإدراك العصبي الرئيسي.
  •  اضطراب ثنائي القطب.
  •  اضطرابات الشخصية، وخاصة اضطراب الشخصية الحدية واضطراب الشخصية الارتيابية.

علاج الاضطراب الوهامي:

غالبًا ما يشمل علاج الاضطراب الوهامي العلاج النفسي والأدوية، لكن الاضطراب الوهامي شديد المقاومة للعلاج بالأدوية وحدها. وقد يحتاج الأشخاص الذين يعانون أعراضًا حادة أو المعرضين لخطر إيذاء أنفسهم أو الآخرين إلى الدخول إلى المستشفى حتى تستقر الحالة.

غالبًا لا يسعى الأشخاص المصابون بالاضطراب الوهامي إلى علاج الحالة بمفردهم لأنهم لا يدركون أن أوهامهم مشكلة أو غير صحيحة، ومن المرجح أن يطلبوا المساعدة بسبب حالات الصحة العقلية الأخرى مثل الاكتئاب أو القلق.

العلاج النفسي للاضطراب الوهامي:

يتعلم مصابو الاضطراب الوهامي من العلاج النفسي كيفية إدارة أعراضهم، وتحديد علامات الإنذار المبكر للانتكاس ووضع خطط الوقاية من الانتكاس. وتشمل أنواع العلاج النفسي ما يلي:

  •  العلاج النفسي الفردي: للتعرف على التفكير الأساسي الذي أصبح مشوها وتصحيحه.
  •  العلاج السلوكي المعرفي: المنظم والموجه نحو الهدف من العلاج. يبدأ بإلقاء نظرة فاحصة على الأفكار والعواطف، ثم فهم تأثيرها في الأفعال، ويهدف إلى التخلص من الأفكار والسلوكيات السلبية وتعلم تبني أنماط وعادات تفكير صحية.
  •  العلاج الذي يركز على الأسرة: يتضمن هذا العلاج التثقيف النفسي فيما يتعلق بالاضطراب الوهامي، والتدريب على تحسين التواصل والتدريب على مهارات حل المشكلات.

لا توجد طريقة معروفة للوقاية من الاضطراب الوهامي، لكن التشخيص والعلاج المبكرين قد يساعدان على تقليل الاضطراب في حياة الشخص وعائلته وصداقاته.

التوقعات:

يختلف ذلك بحسب بعض العوامل مثل:

  •  نوع الاضطراب الوهامي.
  •  شدة الأوهام.
  •  الظروف مثل توافر الدعم والاستعداد للالتزام بالعلاج.

لا يؤثر الاضطراب الوهامي عادة في الأداء اليومي للمصاب كثيرًا، وبوسع معظم المصابين بالاضطراب الوهامي أن يظلوا يعملون طالما أن عملهم لا يتضمن أشياء تتعلق بأوهامهم، ولكن شدة الوهم قد تزداد سوءًا تدريجيًا.

تتحسن التوقعات بالنسبة للمصاب بالاضطراب الوهامي إذا التزم بخطة العلاج، إذ يُشفى نحو 50% تمامًا، وأكثر من 20% تقل لديهم الأعراض، وأقل من 20% من الناس لا يشهدون سوى تغيير طفيف في الأعراض.

كثير من المصابين بهذا الاضطراب لا يطلبون المساعدة لسوء الحظ، وغالبًا ما يكون إدراك مصابي الصحة العقلية بأنهم ليسوا على ما يرام صعبًا، وقد يكونون أيضًا محرجين جدًا أو خائفين من طلب العلاج، وبدون علاج قد يستمر الاضطراب الوهامي مدى الحياة.

ما المضاعفات المحتملة للاضطراب الوهامي؟

  •  الاكتئاب غالبًا بسبب الصعوبات المرتبطة الأوهام.
  •  العزلة الاجتماعية.
  •  المسائل القانونية: فمثلًا، قد تؤدي مطاردة الشخص الذي يتضمنه الوهم إلى الاعتقال.
  •  إيذاء النفس أو إيذاء الآخرين، وهذا أكثر شيوعًا في أنواع الغيرة والاضطهاد.

مساعدة المصاب باضطراب الوهامي:

تكمن المساعدة بتقديم الدعم والتشجيع لطلب المساعدة والعلاج. وقد يعاني مصابو الاضطراب الوهامي الإجهاد بسبب الضغط أو الانتقاد المتكرر من الآخرين، ما قد يؤدي إلى تفاقم أعراضهم، ولهذا السبب يكون النهج الإيجابي أكثر فائدة وفعالية.

غالبًا ما يعاني أفراد عائلة المصابين وأصدقاؤهم التوتر والاكتئاب والحزن والعزلة، ومن المهم في هذه الحالة أن يعتني الشخص بصحته العقلية أولًا وطلب المساعدة.

اقرأ أيضًا:

كم لون في الصورة؟ إليكم تفسير هذا الوهم البصري

متلازمة كابغراس أو وهم كابغرا: الأسباب والأعراض والتشخيص والعلاج

ترجمة: هيا بركات

تدقيق: محمد حسان عجك

المصدر