أظهرت نتائج التحليل التلوي أن نموذج توليد التوتر المعمول به لا ينطبق فقط على الاكتئاب، ولكن أيضًا على اضطرابات الصحة العقلية الأخرى.

تنص نظرية نشأة التوتر أن الشخص الذي يعاني الاكتئاب يكون مساهمًا نشطًا في بيئته الخاصة وليس ذا دور سلبي، وقد وجد الباحثون أن هذه النظرية قد تنطبق أيضًا على الأشخاص الذين يعانون القلق، واضطرابات الشخصية، وتعاطي المخدرات، والاضطرابات المدمرة في الطفولة.

درست (أنجيلا سانتي) التوتر طوال سنوات عندما كانت طالبة في الدراسات العليا في علم النفس في جامعة روتشستر، وراجعت الأبحاث حول آلية توليد التوتر والاكتئاب، وعملت على إجراء تحليل تلوي دقيق تحت إشراف ليزا ستار، الأستاذة المشاركة في قسم علم النفس في روتشستر، وتساءلت حينها إن كانت الدراسات الحالية ستدعم نموذج توليد التوتر الذي طورته جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 1991، وكان أستاذ علم النفس كونستانس هامين بدوره مرشدًا لستار حتى مرحلة ما بعد الدكتوراة.

وقد أدى نموذج هامين إلى الكثير من الأبحاث على مدى العقود الثلاثة الماضية، لكن النتائج لم تُلخص كميًا على الإطلاق، وكانت هذه مهمة جديرة بالاهتمام لكل من سانتي ومستشار أطروحتها ستار، وكذلك كان الأمر بالنسبة لكاترينا ريك، زميلة ما بعد الدكتوراة في جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر.

وبعد اكتشاف اهتمام مشترك بنفس المشروع بعد سنوات من البحث في البيانات والاقتراب من إكماله، لم يسيطر الذعر على الفريقين لدفع طرف للتخلي عن المشروع، بل تقرر توحيد الجهود بدلاً من ذلك، وأخذت شركة Rnic من كولومبيا البريطانية وشركة Santee من روتشستر زمام المبادرة. وفي المجمل، نظر الفريق المشترك في 95 دراسة شملت 38228 مشاركًا في الدراسة، وأكثر من 30 عامًا من البحث.

يقول ستار بوصفه أحد كبار المؤلفين المشاركين الذي تركزت أبحاثه على أصول الاكتئاب واضطرابات القلق وعواقبها على المراهقين: «إن التحليل التلوي المشترك نُشر في القسم النفسي، ويُعد مسعىً كبيرًا يعزز العلم في نهاية المطاف».

يتوافق التحليل الكمي الأمريكي الكندي الجديد في الواقع مع نموذج هامين، ويشير إلى قدرة علم المرض النفسي (كالأمراض العقلية والاضطرابات ومنها الاكتئاب) على التنبؤ بأحداث الحياة المجهدة التابعة (أي التي يساهم فيها الشخص جزئيًا) أكثر من التنبؤ بأحداث الحياة المستقلة (المصيرية). بمعنى آخر، أولئك الذين يعانون من اضطرابات عقلية أكثر عرضة لأن يجدوا أنفسهم في مواقف مرهقة من صنع أيديهم.

يشير علماء النفس إلى هذه الظاهرة باسم توليد التوتر، إذ يكون الشخص المكتئب مساهمًا نشطًا وليس ذا دور سلبي في بيئته الخاصة.

يوضح المؤلف الرئيسي ريمك أنه قد يكون الأشخاص المصابون بالاكتئاب أكثر عرضة للخوض في جدالات مع الآخرين، أو تأجيل إكمال المهام المهمة في العمل أو المنزل، ما يقود إلى المزيد من الضغوطات في علاقاتهم وعملهم، وتعليمهم، وأموالهم، وصحتهم في جميع مجالات الحياة.

يقول رينك: «لقد رأينا أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات عقلية يعانون من ضغوطات تابعة أكثر ممن لا يعانون اضطرابات عقلية، ما يشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات عقلية يسببون الضغوطات الموترة أكثر».

يرى الفريق أن هذه النتيجة بالغة الأهمية؛ لأنها تعني أن الأشخاص لديهم بعض القدرة على التحكم في مقدار الضغط الذي يتعرضون له. والأهم من ذلك، أن التحليل التلوي الجديد يقدم دليلًا قويًا على أن توليد التوتر يبدو أنه يعمل كعامل يحافظ على اكتئاب الشخص ويغذيه. يقول ستار: «إن هذه النتيجة حاسمة؛ لأن السبب الرئيسي وراء كون الاكتئاب عبئًا على المجتمع هو أنه مشكلة متكررة ومزمنة في كثير من الأحيان».

كسر الحلقة المفرغة

إن القدرة على استهداف توليد التوتر الذاتي الدائم من خلال تدخلات محددة قد تؤدي إلى تحسين المرض العقلي أو الاضطراب النفسي لدى الشخص. ولهذا السبب شرع الباحثون في مهمة ثانية وهي محاولة عزل العمليات المحددة التي تساهم في حدوث ضغوط الحياة. وكتب الفريق أن العلاجات التي تستهدف توليد التوتر قد تقلل من التكلفة الشخصية والاقتصادية للاضطرابات العقلية، مشيرين إلى أن توليد التوتر أمر مرن.

أدت النتيجة إلى تحليل تلوي ثانٍ، نُشِر في مجلة Clinical Psychology Review، نظر في كل من عوامل الخطر والحماية القابلة للتعديل في توليد التوتر، ودمج نتائج 70 دراسة مع ما يقارب 40000 مشارك في المجموع، وامتدت مرة أخرى لأكثر من 30 عامًا من البحث.

وجد الفريق عوامل خطر مشتركة تتنبأ بنشوء التوتر لدى الشخص بمرور الوقت، ومنها السمات والسلوكيات الشخصية المرتبطة عادة بالاضطرابات العقلية، والتنظيم غير الفعال للعواطف بين الأشخاص (مثل السعي إلى الطمأنينة المفرطة من الآخرين)، والأفكار السلبية المتكررة (كالاجترار والقلق)، والمعايير المفرطة للذات، والميل إلى الانسحاب أو تجنب المواقف الصعبة أو التفاعلات الاجتماعية.

يرى المؤلفون أن معالجة عوامل الخطر هذه ضمن أساليب العلاج قد تكون حاسمة لكسر الحلقة المفرغة في توليد التوتر. وأشار الفريق أيضًا إلى أن العوامل الوقائية ما تزال غير مدروسة. لكن الجانب المشرق الذي أصبح واضحًا من التحليل هو أن الضغط الاعتمادي قابل للتشكيل وأن الناس لديهم القدرة على التصرف.

يقول سانتي: «إنه لإدراك قوي أن بعض الضغوطات التي نواجهها تقع تحت سيطرتنا، وعليه، من الناحية النظرية، بوسعنا التصرف والتحكم في مقدار التوتر الذي نواجهه وبالنتيجة التحكم تأثير هذا الضغط علينا … لدينا إذن جميعًا القدرة على تشكيل عوالمنا»

وأضاف في الختام «وبدلاً من السباق لنكون أول من ينشرالبحث -الذي سيكون مرهقًا جدًا بحد ذاته- قررنا أن نجعل العلم أقوى، لقد انتهينا مبكرًا وحققنا الكثير معًا!»

اقرأ أيضًا:

فلاتر وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي إلى تدني احترام الذات والاكتئاب

ماذا يجب أن يُفعل عند الشعور بالاكتئاب؟

ترجمة: زينب عبد الكريم

تدقيق: غفران التميمي

مراجعة: محمد حسان عجك

المصدر