واحد من أكبر الأسئلة العلمية اليوم، هو كيف نشأت الحياة من »الحساء الكيميائي« الذي كان موجوداً على الأرض في وقت مبكّر من عمر الأرض. إحدى النظريات، هي أن الحمض النووي الريبي RNA، القريب من الحمض النووي DNA، كان أول جزيء وراثي نشأ منذ حوالي 4 مليار سنة مضت، و لكن في شكل بدائي تطوّر لاحقاً إلى الحمض النووي الريبي و جزيئات الحمض النووي الموجودة في الحياة اليوم. دراسة علمية جديدة تظهر طريقة ممكنة تكشف عن إمكانية محتملة لبزوغ هذه السلسلة من الأحداث.

في شكل الحياة اليوم، يتم تخزين المعلومات الجينية في الحمض النووي. و يتم إنشاء الحمض النووي الريبي من الحمض النووي لتوظيف تلك المعلومات و ترجمتها إلى أفعال و آليات تنظيمية. ميزة الحمض النووي الريبي RNA هي أنه يوجّه عملية صناعة البروتينات و أداء مهام أساسية أخرى لديمومة الحياة البايولوجية. مهام لا يستطيع الحمض النووي DNA القيام بها. براعة الـ RNA هي أحد الأسباب التي يعتقد العلماء أنها وراء كون هذا البوليمر (المكوثر) قد نشأ قبل الـ DNA الذي بدوره تطوّر لاحقاً باعتباره وسيلة أفضل لتخزين المعلومات الجينية لفترة طويلة. و نفس الشيء يمكن أن يكون قد حصل مع الـ RNA، أي أنه تطوّر أيضاً عن نسخة أوّلية.

في دراسة، أظهر كيميائيون في معهد جورجيا للتكنولوجيا، كيف أن تلك الجزيئات التي ربما كانت موجودة على الأرض في وقت مبكّر قبل ما يقارب الـ ٤ مليار سنة، يمكنها أن تتركّب بصورة ذاتية في صورة هياكل كيميائية و التي يعتقد العلماء أنها يمكن أن تمثّل نقطة انطلاق للحمض النووي الريبي RNA. التشكّل العفوي هذا لـلبنات بناء الحمض النووي الريبي، تُلاحظ كخطوة حاسمة في رحلة أصل الحياة و تطوّرها، خطوة كانت و مازالت تمثّل تحدّياً يواجهه العلماء اليوم.

يقول نيكولاس هود، أستاذ الكيمياء الحيوية في معهد جورجيا للتكنولوجيا و مدير مركز التطوّر الكيميائي: “في دراستنا نُظهر بوضوح على وجود تفاعل نراه هاماً جداً في عملية تشكيل جزيئات تشبه تلك للحمض النووي الريبي RNA، النسخة الأوّلية التي سبقت الـ DNA”
وقد نشرت الدراسة هذه على الأنترنت في الـ ١٤ من ديسمبر في مجلة الجمعية الكيميائية الأميركية. و قد تم تمويل هذا البحث من قبل مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية و ناسا NASA.

و يعقب نيكولاس هود بأن الـ RNA مؤهّل بصورة متكاملة لممارسة الأدوار الخلوية في الحياة اليوم، و لكن كيميائياً، فإن تركيبه صعب للغاية. هذا يشير إلى أن الحمض النووي الريبي RNA قد تطوّر من وصلات كيميائية بسيطة. فعندما أصبحت الحياة كيميائياً أكثر تعقيداً، و بعد نشوء الإنزيمات، فإن الضغوط التطورية دفعت بهذه النسخة الأوّلية للحمض النووي الريبي RNA نحو تعقيد و دقة عاليين.

الحمض النووي الريبي يتكوّن من ثلاثة مكوّنات كيميائية: سكّر خماسي دي أوكسي (سكّر ريبوز ريبي منقوص الأوكسجين)، مجموعة فوسفات و قاعدة نيتروجينية. الوحدات البنائية الكيميائية المتشكّلة من هذه المكوّنات تشكّل بوليمر الحمض النووي الريبي. و معرفة طبيعة الروابط بين القواعد و الريبوز، و التي تشكّلت في البداية، تعد من المعضلات التي يواجهها العلماء في رحلة فك شفرة أصل الحياة، كما يقول بروفيسور هود.

في الدراسة قام فريق هود في دراسة و فحص قواعد تشبه كيميائياً قواعد الحمض النووي الريبي الحديثة، و التي كما تبيّن للعلماء، لها القدرة على الارتباط بشكل عفوي مع الريبوز و التجمّع مع قواعد أخرى من خلال نفس التفاعلات الكيميائية التي مكّنت الـ DNA و RNA من تخزين المعلومات. تلك القواعد مخزونة في جزيء يسمّى ثلاثي البيريميدين الأميني triaminopyrimidine) TAP).

خلط الباحثون ثلاثي البيريميدين الأميني TAP مع سكّر الريبوز في ظل ظروف من المفترض أن تحاكي بركة على وشك الجفاف على الأرض لما يقارب الـ ٤ مليار سنة. كان رد فعل الـ TAP و سكّر الريبوز معاً إيجابي و بنتائج عالية، مع ما يصل إلى ٨٠٪ من الـ TAP تم تحويله إلى النيوكليوسيدات (وحدات البناء للحمض النووي الريبي المتكوّنة من القواعد و سكّر الريبوز). علماً أن محاولات سابقة لتشكيل هذه الوحدات مع قواعد الحمض النووي الريبي الحالي، كانت قد فشلت في إنتاج النيوكليوسيدات أو أن النسبة المنتجة كانت منخفضة جداً.

“هذه الدراسة مهمة في إظهار خطوة ممكنة لكيفية الحصول على بداية جزيء يشبه الـ RNA أو النسخة الأوّلية له، و أيضاً كيف وجدت لبنات البناء لبوليمرات النسخة الأوّلية من الحمض النووي الريبي بعضها البعض و تشكّلت بصورة ذاتية داخل خليط كيميائي معقّد جداً“ كما يقول بروفيسور هود.

أظهر الباحثون هذه الخاصية من النيوكليوسيدات الـ TAP بإضافة جزيء آخر لخليط التفاعل، حمض السيانوريك، و الذي يُعرف بتفاعله مع الـ TAP. حتى في خليط التفاعل غير المنقّى، تشكّلت بوليمرات لاتساهمية مع الآلاف من النيوكليوسيدات المقترنة.

هذه الدراسة تظهر بوضوح وسيلة ممكنة سمحت للـلبنات الأساسية لسلف الحمض النووي الريبي الأوّل أو تلك “النسخة الأولى“ أن تتشكّل على الأرض في وقت مبكّر من الماضي. و يختم نيكولاس هود حديثه بأن الـ TAP هو مرشح مهم لواحدة من القواعد الأولى التي أدّت في النهاية إلى جزيئات الحمض النووي الريبي الحديثة، و لكن هناك بالتأكيد قواعد أخرى. فنحن نبحث عن كيمياء قوية و بسيطة يمكن أن تفسّر الأصول الأولى من الحمض النووي الريبي أو النسخة الأوّلية منه“.

اعداد: سيف البصري

المصدر