حددت جائحة كوفيد-19 المسار نحو الوضع الطبيعي الجديد للصحة والرفاهية. يهدف هذا المقال إلى إيضاح تأثيرها في السمات الشخصية للأفراد؛ لمساعدتهم على التحكم في صحتهم العقلية والعاطفية.

تُعد السمات الشخصية الرئيسية ثابتة نسبيًا في الجزء الأكبر من حياة البالغين، لكنها قد تتأثر بالأحداث الشخصية المجهدة. وجدت دراسة حديثة تغييرات تتعلق بالتعبير عن سمات الشخصية في أثناء جائحة كوفيد-19 في عينة تمثيلية على مستوى البلد.

تشير النتائج إلى أن الأشخاص الأصغر عمرًا كانوا أكثر عرضةً للتغيرات في سمات الشخصية، ما يدل على انخفاض في الوعي، ونقص التقبل والتأقلم، وزيادة في العُصابية.

تبين هذه النتائج أنه إضافةً إلى الأحداث الشخصية المجهدة، فقد تؤدي الأحداث العالمية مثل جائحة كوفيد-19 إلى تغييرات في سمات الشخصية. هل كان هذا التغيير مفيدًا؟

أظهرت الدراسات السابقة أن مستويات العصابية انخفضت في المراحل الأولى من جائحة كوفيد-19 في عام 2020. وجدت دراسة جديدة نُشرت في PLOS One أن هذه التغييرات في العصابية والمزاج العام كانت قصيرة الأجل، وأصبحت طبيعية لاحقًا في الوباء في 2021-2022.

مع ذلك، انخفضت سمات الشخصية الأخرى، مثل التقبل، والانفتاح، والانضباط في المراحل اللاحقة من جائحة كوفيد-19 في 2021-2022.

وجدت الدراسة أن الأفراد الأصغر عمرًا كانوا عرضةً للتغيرات في سمات الشخصية خلال الوباء أكثر من غيرهم، ما يشير إلى اضطراب في تطور الشخصية وعملية النضج التي تحدث عادةً في مرحلة البلوغ.

أكد الدكتور برنت روبرتس، أستاذ علم النفس بجامعة إلينوي، أنه من المهم جدًا معرفة أن أحداثًا عالمية مثل الوباء قد يكون لها تأثير في تغييرات الشخصية التي غالبًا ما يُعتقد أنها ثابتة وغير قابلة للتغيير.

بما أن هذه التغييرات سلبية إلى حد ما وتركز على الشباب البالغين، فقد تشير إلى أن هذه المجموعات ستكون أكثر عرضةً لمشكلات الصحة العقلية والجسدية على المدى الطويل. يعود هذا لعوامل نفسية فقط، لا لأسباب فسيولوجية.

نموذج الشخصية ذات العوامل الخمسة:

يُعد نموذج العوامل الخمسة للشخصية نموذجًا مستخدمًا على نطاق واسع، ويصف الشخصية بناءً على وجود خمس سمات عامة. يتضمن النموذج السمات الشخصية الخمسة التالية:

  •  الانبساط: الميل إلى المبادرة والتصرفات الحيوية والحازمة.
  •  العصابية: الميل إلى التشاؤم والقلق المستمر والمفرط.
  •  الانضباط: الميل إلى التنظيم الذاتي، والشعور بالمسئولية، والعمل الجاد.
  •  التقبل: الميل إلى التعاطف والود، وأن يكون الشخص مطاوعًا وجديرًا بالثقة.
  •  الانفتاح: الميل إلى أن يكون الشخص فضوليًا وخياليًا ومنفتحًا.

تظل سمات الشخصية هذه مستقرة نسبيًا على مدى حياة الشخص البالغ، ولا تتأثر عامةً بالتجربة الشخصية. أظهرت الدراسات السابقة أن الأفراد يظهرون تغيرًا طفيفًا في سمات الشخصية مع تقدم العمر. على وجه التحديد، يميل الانضباط والتقبل إلى الزيادة تدريجيًا مع تقدم العمر، في حين تميل العصابية والانفتاح والانبساط إلى الانخفاض. مع أنها تُعد مستقرةً عمومًا، لكن الأحداث المُجهدة أو الصدمات الشخصية قد تؤثر في هذه السمات.

من جهة أخرى، أظهرت الدراسات التي بحثت تأثير الأحداث الصادمة والمُتعبة الجماعية، مثل زلزال عام 2011 في نيوزيلندا، أو إعصار هارفي في تكساس ولويزيانا، عدم وجود تغيير في سمات الشخصية استجابةً لهذه الأحداث.

تختلف جائحة كوفيد-19 عن الكوارث الطبيعية الأخرى في تأثيرها العالمي وتأثيرها في جميع جوانب الحياة، إذ أظهرت الدراسات السابقة انخفاضًا في العصابية في المراحل المبكرة لجائحة كوفيد-19 في عام 2020، وتشير الأدلة المتناقلة أيضًا إلى أن العديد من الأفراد الذين يعانون مستويات قلق أعلى مرتبطة بالعصابية، قد عانوا مستويات قلق أقل خلال المرحلة المبكرة من الوباء.

مع ذلك، هناك أدلة محدودة ومتناقضة بشأن تأثير الوباء في سمات الشخصية الأخرى، علمًا أن البيانات المتعلقة بتأثير الوباء في سمات الشخصية كانت محدودة بعد عام 2020.

أخذت الدراسة الحالية بيانات من (UAS)، أو ما تُسمى دراسة فحص أمريكا، واستخدمتها لفحص تأثير المراحل المبكرة واللاحقة لوباء كوفيد-19 في سمات الشخصية لدى مجموعة كبيرة ومتنوعة من السكان. تتكون (UAS) من مجموعة مستخدمي إنترنت، يُقدر عددهم بنحو 9500 فرد يمثلون السكان الوطنيين.

سجلت (UAS) تقييمات شخصية متعددة عبر الإنترنت للمشاركين المسجلين منذ إنشائها عام 2014.

التغيرات في سمات الشخصية:

في الدراسة الحالية، صنف الباحثون فترة الجائحة إلى المرحلة الحادة الممتدة بين 1 مارس 2020 و31 ديسمبر 2020، ومرحلة التكيف الممتدة بين 1 يناير 2021 و16 فبراير 2022. شملت الدراسة 7109 مشاركين في (UAS) ممن أكملوا تقييمًا واحدًا على الأقل للشخصية قبل الوباء، وتقييمًا آخر في المرحلة الحادة أو مرحلة التكيف مع الوباء.

مقارنةً بمستويات ما قبل الوباء، وجد الباحثون أن العصابية انخفضت خلال المرحلة الحادة من الوباء عام 2020، لكن مع ذلك، لم يستمر هذا الانخفاض في مستويات العصابية خلال مرحلة التكيف اللاحقة في 2021-2022.

أظهرت السمات الشخصية الأربعة الأخرى اتجاهًا معاكسًا لسمة العصابية، لكن مستويات الانضباط والقبول والانفتاح والانبساط لم تختلف خلال المرحلة الحادة من الوباء عن مستوياتها قبله. في المقابل، انخفضت مستويات الصفات الأربعة خلال الأعوام 2021-2022 مقارنةً بمستوياتها قبل الجائحة.

من الجدير بالذكر أيضًا أن التغيرات في التعبير عن هذه السمات الشخصية كانت مماثلة لتلك التي تُلاحظ عادةً بعد عقد من البلوغ.

السمات الشخصية بين المجموعات الفرعية:

وجد الباحثون أن أعلى مستويات تراجع العُصابية كانت عام 2020 لدى المشاركين الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فما فوق، يليهم الأفراد في منتصف العمر (30-64 عامًا). مع ذلك، فإن الانخفاض في العصابية لدى المشاركين الأصغر عمرًا الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا لم يكن ذا أهمية في المرحلة الحادة.

من المثير للاهتمام أن الشباب أظهروا مستويات أعلى من العصابية في 2021-2022 عما كانت عليه قبل الوباء. بينما كانت مستويات السمات الشخصية الأربعة المتبقية أقل في الفترة 2021-2022 بين المشاركين الأصغر عمرًا ومتوسطي العمر، لكن الانخفاض في القبول والانضباط كان أكثر عمقًا بين المشاركين الأصغر عمرًا. في المقابل، كانت مستويات القبول والانضباط والانبساط والانفتاح بين الأفراد الأكبر عمرًا في الفترة 2021-2022 مماثلة لمستويات ما قبل الوباء.

تشير هذه البيانات إلى أن البالغين الأصغر عمرًا كانوا أكثر حساسيةً للتغيرات في سمات الشخصية من نظرائهم في منتصف العمر وكبار السن. من ناحية أخرى، بدت شخصية الأفراد الأكبر عمرًا أكثر مرونةً في مواجهة آثار الوباء.

إن السمات التي أظهرت أكبر قدر من التغيير في مرحلة البلوغ الأصغر -العصابية والضمير- هي أيضًا السمات المرتبطة بالعديد من النتائج المهمة، بما في ذلك النجاح التعليمي والمهني، والعلاقات، والصحة العقلية والجسدية. كانت التغييرات صغيرة نسبيًا، لكن التأثير التراكمي لها قد يكون كبيرًا في حال استمراريتها.

تميل سمات الشخصية إلى الرسوخ في مرحلة البلوغ مع تطور شخصية الفرد ونضجها، ومن المحتمل أن يكون هذا سببًا في أن البالغين الأصغر عمرًا أكثر عرضةً للتغيرات في سمات الشخصية استجابةً للوباء. قد يكون السبب البديل لهذه النتائج هو أن مصادر التوتر (مثل الإجهاد المرتبط بالعمل أو المدرسة) التي تأثرت بالوباء كانت مختلفة بين هذه الفئات العمرية.

قيود الدراسة:

حذر مؤلفو الدراسة من وجود بعض القيود، إذ أشاروا إلى أن عدد المشاركين من المجموعات العرقية والمجموعات الأقلية كان صغيرًا نسبيًا، ما قد يعيق تحديد التغيرات في سمات الشخصية في هذه المجموعات.

قال الدكتور سوتين: «كان جميع المشاركين يعيشون في الولايات المتحدة، لذلك لا نعرف هل كانت الأنماط التي وجدناها باستخدام هذه العينة ستُعمَّم على الأشخاص الذين يعيشون في بلدان أخرى. إضافةً إلى ذلك، لم نتمكن إلا من إظهار التغيير نفسه فقط، لا أسبابه، ولم نستطع معرفة هل كانت هذه التغييرات مؤقتة أم ستكون دائمة. هناك حاجة إلى مزيد من التقييمات للشخصية للإجابة عن هذا السؤال».

لم يدرس المؤلفون التفسيرات البديلة المحتملة لهذه التغييرات. مع من أن الوباء فريد ومنتشر، لكنه لم يكن التغيير الوحيد الذي حدث في الولايات المتحدة في هذه الفترة الزمنية، فقد حدثت اضطرابات على الجبهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومن الممكن أن تكون قد أثرت أيضًا في تطور الشخصية في أثناء هذه الجائحة، خاصةً لدى الشباب الذين بدا أنهم أكثر تغيرًا.

أخيرًا، لم يختبر المؤلفون مباشرةً هل كانت تجربة كوفيد-19 نفسها قادرة على تفسير النتائج أم لا؟ فهو أمر مطروح نظرًا إلى احتمال أن العديد من المشاركين لم يعانوا فقط أعراض كوفيد-19، بل عانوا أيضًا حالات كوفيد طويلة الأمد.

اقرأ أيضًا:

هذه هي السمات الشخصية للمدمنين على وسائل التواصل الاجتماعية

ثلاث سنوات من تلوث الهواء قد يزيد من مخاطر الإصابة بسرطان الرئة

ترجمة: لمك يوسف

تدقيق: جنى الغضبان

مراجعة: هادية أحمد زكي

المصدر