تتميز فترة الحمل في حياة المرأة بترافقها مع كثير من التغيرات الفيزيولوجية والجسدية والعاطفية والهرمونية. وقد يكون أيضًا وقتًا حساسًا جدًا للنساء خاصة في الأشهر الثلاثة الأولى عندما يكون خطر الإجهاض في أعلى مستوياته.

ما يزال الالتباس قائمًا حول علاج الأسنان وصحتها في أثناء الحمل، ما يخلق تحديات لكل من المريضة وطبيب الأسنان، فقد يكون تقديم علاج الأسنان للمريضة الحامل مثيرًا للقلق، ويجب مناقشة مخاطر جميع خيارات العلاج وفوائدها قبل البدء.

لا ينبغي أن يكون الحمل حاجزًا يمنع علاج الأسنان، ولا يوجد دليل يشير إلى أن علاج الأسنان يسبب ضررًا للجنين. لكن المرحلة الأكثر أهميةً من نمو الجنين تحدث في الأشهر الثلاثة الأولى، وعليه سيكون من المعقول تجنب العلاج الاختياري إن أمكن حتى الثلث الثاني من الحمل، وقد تفضل المرأة الحامل تأخير العلاج الاختياري بالكامل حتى ولادة الطفل. ويجب أن يكون أي قرار بتأخير العلاج متوازنًا مع خطر تعرض المرأة للألم والعدوى في أثناء الحمل.

تحديد جلسة المريضة

يعد وضع المريضة على كرسي الأسنان في أثناء الثلثين الثاني والثالث من الحمل أحد الاعتبارات الرئيسية، إذ تُنصح النساء بعدم الاستلقاء على ظهورهن لأن وزن الجنين والرحم المتوسع قد يسد جزئيًا الوريد الأجوف السفلي، ويؤدي انسداد هذا الوريد إلى تقليل العودة الوريدية، وبالتالي تقليل النتاج القلبي، وقد يتسبب ذلك في انخفاض تدفق الدم إلى الجنين. يزيد الاستلقاء على كرسي الأسنان أيضًا من خطر الإغماء عندما يقف المريض، وهذا بسبب انخفاض ضغط الدم الثانوي إلى انخفاض العودة الوريدية.

لذلك إذا طُلب من المريضة الحامل الاستلقاء بشكل مسطح لإجراء ما، فسيكون من الحكمة تقديم دعم، مثل وسادة للمريضة على الجانب الأيمن من جسمها حتى يُحقق الميل الجانبي. إذ ثبت أن إمالة المريضة على جانبها الأيسر 15 درجة كافية للتغلب على هذا الانسداد الوريدي. ويجب الحرص على رفع الكرسي ببطء للسماح لضغط الدم بتنظيم نفسه وتجنب انخفاض ضغط الدم المؤقت والإغماء. وإذا تعرضت المريضة للإغماء في أثناء العلاج أو بعده، فيجب وضعها بشكل مسطح، ولكن أيضًا إمالتها للجانب الأيسر ورفع الساقين لتحفيز تدفق الدم.

التصوير الشعاعي

لا يُمنع التصوير الشعاعي للأسنان في أثناء الحمل. ولا يُنصح بالاستخدام الروتيني للواقي الرصاصي في التصوير داخل الفم وخارجه، إذ لا يشير الشعاع مباشرة إلى بطن المريضة. ويجب على الطبيب اتباع جميع مبادئ الممارسة الجيدة، كالموازاة المستطيلة وتقنية التوازي والحفاظ على الجرعة المنخفضة قدر الإمكان.

وعندما يشير الشعاع مباشرة إلى بطن المريضة، فيجب استخدام واقٍ من الرصاص لحماية الجنين. وإذا تعذر تأخير التعرض حتى بعد ولادة الطفل للشعاع المخروطي CT، فيجب وضع واقي الرصاص للمريضة الحامل.

يعد التحقيق الإشعاعي موضوعًا عاطفيًا للحوامل، ويجب أن يتضمن أي قرار بإجراء التعرض الإشعاعي مناقشة كاملة وموافقة، وينصح المعهد البريطاني للأشعة باستخدام واقي الرصاص للتصوير الشعاعي للأسنان عند رغبة المريض وذلك لأغراض نفسية لطمأنته، فمن غير المرجح أن تضر بالجودة التشخيصية للصور.

الأملغم

في عام 2018 نُفذ قانون في المملكة المتحدة هدفه وضع قيود للحد من تأثير التلوث بالزئبق على البيئة، وذلك بمنع الاستخدام غير الضروري للزئبق في المنتجات وعمليات التصنيع، ومن ضمنها طب الأسنان.

ولتسهيل تنفيذ هذه القيود أصدر البرنامج الاسكتلندي للفعالية السريرية للأسنان إرشادات بشأن استخدام الأملغم عند الحوامل، ونصحت بعدم استخدام أملغم الأسنان لعلاج أسنان حوامل أو المرضعات إلا عندما يصر طبيب الأسنان على ضرورة الإجراء بناءً على الاحتياجات الطبية المحددة للمريض.

لم يعد يشكل الأملغم خطرًا صحيًا على الحوامل أو الجنين، وقد يطلق الترميم كميات صغيرة من الزئبق، سيما في أثناء وضعه وإزالته، ولذلك يجب اتباع نهج حذر لوضعه وإزالته عند الحامل.

وصف الأدوية في أثناء الحمل

يجب توخي الحذر عند وصف الأدوية عند تدبير الحامل، فقد تؤثر التغيرات الفيزيولوجية والجسدية المصاحبة في الحرائك الدوائية، ومن المتوقع حدوث آثار جانبية للأدوية. ولذلك يُوصي بتجنب جميع الأدوية الموصوفة في أثناء الحمل وخاصة الأشهر الثلاثة الأولى. ويجب تقييم مخاطر الأدوية ووصفها فقط إذا كانت فوائدها تفوق المخاطر المحتملة.

 المسكنات

يجب تدبير الألم السني في أقرب فرصة ممكنة عند الحوامل لحماية صحة الأم وطفلها. ويجب أن يكون الهدف الأساسي هو القضاء على مصدر الألم بتنفيذ علاج الأسنان اللازم وتقديم المشورة لتخفيف الألم بوصفه عاملًا مساعدًا إذا لزم الأمر. ولا ينبغي تجنب علاج الأسنان الطارئ بسبب حمل المريضة.

يجب تجنب مضادات الالتهاب غير الستيرويدية مثل الإيبوبروفين في جميع مراحل الحمل، ولكن خصوصًا في الثلث الثالث من الحمل لأنها ارتبطت بتأخر إغلاق القناة الشريانية لدى الطفل، وزيادة خطر النزيف والتقلصات غير الفعالة في أثناء المخاض.

يمكن وصف جرعة منخفضة من الأسبرين مثلًا للحوامل طوال فترة الحمل للوقاية من تسمم الحمل، ولكن يجب تجنب استخدامه للألم السني. ويجب أيضًا تجنب استخدام ثنائي هيدروكودين، خاصة في الثلث الثالث من الحمل، لأن استخدامه في أثناء المخاض قد يسبب كسل الجهاز التنفسي لدى الطفل.

يُعد الباراسيتامول الدواء المفضل عند الحديث عن المسكنات، وذلك استخدام الجرعة القياسية (500-1000 ميليغرام كل 4-6 ساعات) وبحد أقصى 4 غرام يوميًا.

لا توجد أضرار معروفة مرتبطة باستخدامه في أي مرحلة من مراحل الحمل طالما أن المريضة تلتزم بالجرعة الصحيحة.

 المضادات الحيوية

لا ينبغي أن تكون مضادات الميكروبات بديلًا عن العلاج السريري مثل الشق والتصريف أو فتح الخراج إذا كانت المريضة مصابة بخراج. عندما يكون هناك تورم واسع النطاق أو مشاركة جهازية ويشار إلى العلاج المضاد للميكروبات، فإن الأموكسيسيلين هو الخيار الأول.

بالنسبة للحوامل اللواتي يعانين حساسية البنسلين، يوصف الكليندامايسين في الثلث الثاني أو الثالث من الحمل. وينصح بالحذر عند استخدامه في الأشهر الثلاثة الأولى وفقًا لبيانات السلامة المحدودة المتاحة.

لا يُمنع ميترونيدازول على وجه التحديد في أثناء الحمل، ولكن نظرًا لعدم وجود بيانات السلامة، ينصح بالحذر عند استخدامه في أثناء الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، ويجب تجنب نظام الجرعات العالية في جميع الأشهر الثلاثة.

توقف المضادات الحيوية التيتراسيكلين، (بشكلها الفموي أو الموضعي) طوال أشهر الحمل بسبب ارتباطها بتشوهات العظام والأسنان لدى الجنين وسمية كبد الأم.

 مضادات الفطريات

في يجب تجنب كل من الفلوكونازول والميكونازول إن أمكن، إذ ارتبط الفلوكونازول بزيادة فرصة الإجهاض والتشوهات الخلقية لدى الجنين، وقد ثبت أن الميكونازول سام عند تناول جرعات عالية في الدراسات التي أجريت على الحيوانات.

هناك امتصاص ضئيل للنيستاتين من الجهاز الهضمي، ولذلك يُعتقد أنه لن يكون آمنًا إذا كان ذلك ضروريًا في أثناء الحمل، مع إنه لا تتوفر دراسات السلامة طويلة المدى.

 الكلورهيكسيدين

لم يكتشف وجود أضرار للجنين مرتبطة باستخدام غسول الفم غلوكونات الكلورهيكسيدين بنسبة 0.2% الغسول أو 1% الهلام.

 معاجين المعالجات اللبية:

يتكون معجون Ledermix من ديميكلوسيكلين، وهو مضاد حيوي تتراسيكلين، وأسيتونيد تريامسينولون. ينصح بعدم باستخدامه في الحمل ما لم يكن ضروريًا.

 الفلورايد

يعد معجون الأسنان بالفلورايد الذي يؤخذ بدون وصفة طبية آمنًا للاستخدام في أثناء الحمل، لكن الجرعات العالية في الدراسات على الحيوانات ارتبطت بالسمية في الجنين.

بالنسبة للحوامل المعرضات لخطر كبير من التسوس، فإن معجون أسنان فلوريد الصوديوم 2800 جزء في المليون آمن للاستخدام في أثناء الحمل، ولكن يجب تجنب فلوريد الصوديوم 5000 جزء في المليون.

إذا وصف معجون أسنان فلوريد الصوديوم 2800 جزء في المليون للمريضة الحامل، يجب إعطاء تعليمات حول الاستخدام المناسب لمعجون الأسنان، أي شريط 2 سم من معجون الأسنان.

ينصح بعدم استخدام فرنيش الفلورايد في أثناء الحمل لأنه يحتوي على 33.8% من الإيثانول مع كل جرعة تحتوي على 0.2 غرام من الكحول.

 التخدير الموضعي:

يعد التخدير الموضعي آمنًا في أثناء الحمل، إذ يعد 2% ليدوكائين العامل المثالي بسبب تركيزه المنخفض مقارنة بمحاليل التخدير الموضعي بريلوكائين وميبيفاكين وأرتيكائين.

وقد تورط (بريلوكائين وهيتيكس المحلي الموضعي تتراكائين والبنزوكائين) في الإصابة بخضاب الدم المبدل الدموي. ومع إن محاليل التخدير الموضعية العادية متوفرة، فإن المقبضات الوعائية عادة ما تضاف إلى محاليل التخدير الموضعي لمنع الامتصاص الجهازي للمحلول، وتحسين عمق التخدير الموضعي ومدته، وتقليل خطر السمية الجهازية لعامل التخدير الموضعي.

المقبض الوعائي الأكثر استخدامًا هو الأدرينالين، جرعات الأدرينالين لأغراض التخدير الموضعي للأسنان منخفضة جدًا، ومن غير المرجح أن تؤثر في تدفق الدم في الرحم.

ثاني أكثر مقبض للأوعية شيوعًا هو فيليبريسين، الذي يقترن عادة بنسبة 3% بريلوكائين. ويشبه هيكليًا الأوكسيتوسين ويشكل نظريًا خطر تحفيز المخاض، مع إن هذا غير مرجح في الجرعات المستخدمة في تخدير الأسنان.

تبرر فوائد مقبضات الأوعية باستخداماتها، ولكن من الحكمة استخدام تقنية حقن دقيقة للحد من احتمال الحقن داخل الأوعية الدموية غير المقصود.

 التركين

بالنسبة للحوامل اللواتي يحتجن إلى رعاية أسنان طارئة ولديهن قلق كبير من الأسنان، يجب استخدام الطرق غير الدوائية أولًا لتسهيل رعاية الأسنان. يجب تجنب التركين باستخدام أكسيد النيتروز أو ميدازولام في أثناء الحمل. ولكن إذا اضطر الأمر للتركين الدوائي، فيجب إحالة المريض إلى مكان رعاية ثانوي للتقييم والعلاج. ومع إن ميدازولام وأكسيد النيتروز ليسا ممنوعين في أثناء الحمل، فإن خطر تأثير الأدوية قد يسبب ضررًا للجنين، وخطر الاستجابة غير المتوقعة للتخدير أعلى بسبب التغيرات الفيزيولوجية التي تحدث في أثناء الحمل.

اقرأ أيضًا:

الزرعات السنية: ما هي؟ وماذا يُستفاد منها؟

الألم السني: الأسباب والعلاج

ترجمة: سلاف الغزالي

تدقيق: بشير حمّادة

مراجعة: محمد حسان عجك

المصدر