شهد القرن الثامن عشر (1685-1815) حركة أطلق عليها أصحابها تسمية «عصر العقل» أو «التنوير»، أعادت توجيه مجالات متعددة في الحياة الأوروبية جذريًا، مثل السياسة والفلسفة والعلم وطرق الاتصال، إذ شكك المفكرون التنويريون في بريطانيا وفرنسا وأوروبا عمومًا بالسلطة التقليدية واعتقدوا بإمكانية صلاح حال الإنسانية بواسطة التغيير العقلاني.

أنتج عصر التنوير كثيرًا من الكتب والمقالات، وكان مليئًا بالاختراعات والاكتشافات العلمية، وسُنّت فيه القوانين واشتعلت نيران الحروب والثورات، ولم تكن الثورتان الأمريكية والفرنسية إلا مستلهمتين من المُثُل التنويرية، وكانت الأولى علامة على وصول عصر التنوير لقمة تأثيره بينما كانت الثانية علامة على بداية انحساره، وقد انحسر أخيرًا عن رومانسية (رومانتيكية) القرن التاسع عشر.

البدايات (1685-1730)

بشّر عدد من الرواد بعصر التنوير ظهروا خلال القرن السابع عشر، ومن هؤلاء الإنجليزيان فرانسيس بيكون وتوماس هوبز والفرنسي رينيه ديكارت، وفلاسفة الطبيعة الرئيسيون أصحاب الثورة العلمية مثل غاليليو غاليلي ويوهانسون كيبلر وغوتفريد لايبنتز.

يُقال عادةً إن بداية عصر التنوير كانت في إنجلترا في ثمانينيات القرن السابع عشر؛ إذ شهدت ثلاث سنوات منها فقط نشر عملين تضمنا الأدوات الفكرية (العلمية والرياضية والفلسفية) اللازمة لأكبر إنجازات عصر التنوير، والعملان هما «مبادىء الرياضيات» الذي نشره نيوتن سنة 1686 و«مقالة في الفهم البشري» التي نشرها جون لوك سنة 1689.

هل تعلم أن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط -في مقاله المنشور سنة 1784 بعنوان «ما التنوير؟»- لخّص شعار عصره بقوله: «تجرأ على المعرفة! كن شجاعًا في استعمال منطقك الخاص!».

رأى لوك أن الطبيعة البشرية متغيرة، وأن المعرفة تُكتسب بالخبرة المتراكمة لا بالنفاذ إلى حقيقة خارجية ما والإطلاع عليها -أي ليس بالكشف الروحاني/الصوفي- وأما ما طوره نيوتن من حساب التفاضل والتكامل والبصريات -نظريات في الضوء- فقد وفر الاستعارات التنويرية القوية في التغيير المُقاس بدقة والتنوير.

لم يوجد قط عصر تنوير واحد موحد يُتحدث عنه، بل يصح القول إنه يوجد عصر تنوير فرنسي وآخر اسكتلندي وثالث إنجليزي ورابع ألماني وتمتد القائمة لتذكر التنوير السويسري والأمريكي. ومثل تنوع عصور التنوير تنوّعت طرق المفكرين التنويريين وأساليبهم؛ فلوك يختلف عن ديفيد هيوم، وجان جاك روسو يختلف عن فولتير، وتوماس جيفرسون يختلف عن فريدريك العظيم.

اختلف المفكرون التنويريون فيما بينهم لكن أرضية مشتركة جمعتهم هي مواضيع عصر التنوير في التشكيك المنطقي والإيمان بالتقدم عبر الحوار.

القمة (1730-1780)

تمحورت قمة عصر التنوير حول حوارات الفلاسفة الفرنسيين وما نشروه من أعمال، وأشهر هؤلاء الفلاسفة فولتير وروسو ومونتسكيو وبوفون ودنيس ديدرو، ونستطيع وصف هذه الفترة بذكرنا لقول أحد المؤرخين: هي فترة من «فوضى الأفكار الواضحة» وصاحب المقولة هو مؤرخ لخص «القاموس الفلسفي» لفولتير.

إحدى أهم هذه الأفكار هي الاعتقاد بالقدرة على تبسيط كل ما هو موجود في الكون وفهرسته، وأحد أهم الأعمال المنشورة في تلك الفترة هي موسوعة ديدرو (1751-1777) التي جمعت عددًا من الكتّاب الرواد لينتجوا تأليفًا طموحًا يحتوي المعرفة الإنسانية.

كان عصرًا من الطغاة المستنيرين أمثال فريدريك العظيم الذي وحد بروسيا وطورها، وقد فعل ذلك خلال فترة من الحروب الطويلة القاسية ضد النمسا، وكان عصرًا من الثوريين المستقبليين المستنيرين أيضًا أمثال توماس بين وتوماس جيفرسون، وكان تأثيرهما كبيرًا على إعلان الاستقلال الأمريكي سنة 1776 الذي أشعل الثورة الأمريكية التي استقت بنودها من مقالات جون لوك.

وكان عصرًا من البدع الدينية والمعارِضة للدين، إذ سعى المسيحيون لجعل إيمانهم متوافقًا مع المنطق، ورأى الربوبيون الذين يؤمنون بالله المتعالي عن التدخل في هذا العالم أن كوننا يسير في مساره بغير تدخل من إله، ووافقهم الماديون على ذلك.

ناصر لوك والفيلسوف الفرنسي بيير بايل فكرة فصل الدين عن الدولة، وازدهرت المنظمات السرية كالماسونيون الأحرار والمتنورين البافاريين والصليب الوردي، وقدمت هذه المنظمات للأوروبيين أنماطًا جديدة من الترابط والطقوس الغامضة والمساعدة التبادلية. وأما أماكن تبادل كل هذه الأفكار فكانت المقاهي والجرائد والصالونات الأدبية.

الانحسار وما بعده (1780-1815)

بلغ عصر التنوير ذروته مع الثورة الفرنسية سنة 1789 إذا نظرنا إليه على أنه عصر التخلي عن السلطات القديمة وإعادة بناء المجتمع بطريقة عقلانية، لكن الثورة تطورت إلى إرهاب دموي أظهر حدود أفكارها وقاد إلى صعود نابليون بعد عقد واحد.

لكن الهدف في المساواة ظل جذابًا للناس، فأثرت في النسوية ماري وولستونكرافت؛ أم ماري شيلي صاحبة رواية فرانكنشتاين الشهيرة، وألهمت حرب الاستقلال الهايتية مثلما ألهمت أول حكومة في باراغواي بعد الاستقلال، وقد كانت حكومة راديكالية في جمعها لعرقيات الشعب المختلفة.

أفسحت العقلانية التنويرية الطريق أخيرًا لوحشية الرومانسية (الرومانتيكية)، لكن ليبرالية القرن التاسع عشر وكلاسيكيته -إذا لم نعرج بحداثة القرن العشرين- مدينتان لمفكري عصر التنوير أعظم الدَّين.

اقرأ أيضًا:

خلق أوروبا: خطاب الحضارة

أشهر وافضل أقوال رينيه ديكارت

ترجمة: الحسين الطاهر

تدقيق: عون حدّاد

المصدر